بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢٠
أصالة البراءة عن الدين و التزم به في مثال استصحاب عدم الكريّة و استصحاب نجاسة الماء فيما كان مسبوقا بها و شكّ في ارتفاعها فحكم بطهارةالماء في الأول و الملاقي في الثاني مع أنه ليس هنا فارق بينهما أصلا كما لا يخفى فالمتعين الحكم بنجاسة الماء في المسبوق بعدم الكريّة و نجاسة ملاقيالمسبوق بالنجاسة كما أنه يتعيّن الحكم بطهارة المغسول بالماء المحكوم بالكريّة من جهة استصحابها فيما كان الماء مسبوقا بها و لا يعارضه استصحاب نجاسةالمغسول به هذا فيما لو كانت الحالة السّابقة للماء معلومة و أما لو لم يكن معلومة فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب بالنسبة إليه أصلا و أولى بعدمجريان الاستصحاب ما لو علم بعدم الحالة السابقة له أصلاكالماء الذي يوجد في المحل دفعة مع عدم العلم بمقداره فإنه لا شبهة في عدم تصوّر الاستصحاب بالنسبةإليه بعد فقد الحالة السّابقة له فهل يحكم بنجاسته على تقدير ملاقاة النجس له بناء على اعتبار سبق الكريّة في الاعتصام و المفروض عدمه و لو بإعانة الأصلو كون الملاقاة مقتضية للانفعال أو طهارته من جهة أصالة الطهارة بل استصحابها فيما كان مسبوقا بالطهارة من جهة الشكّ في وجود العلّة التامّةللانفعال حيث إن مجرّد كون الملاقاة مقتضية له لا يقتضي بتحقق الانفعال إلاّ بعد إحراز عدم كريّة الماء و لو بالأصل و المفروض عدم جريان الأصلبالنسبة إليه لفقد الحالة السابقة أو عدم العلم بها و أصالة عدم تحقق المانع لا يجدي في الحكم باتصاف المحلّ به على ما عرفت من نفي الأصول المثبتة و احتمالالكرّيّة و القلّة في الفرض متساويان لا يمكن نفي واحد منهما بالأصل فإن شئت قلت إن الشكّ في المقام في صدق مفهوم قوله إذا بلغ الماء قدر كرّ لميحمل خبثا أو لم ينجّسه شيء لأن المفروض عدم العلم بالحال لا العلم بأنّه غير كرّ هذا و أمّا لو علم بحدوث الكريّة و ملاقاة الماء للنجاسة بحيث لا يرفعها كريّته على تقديرسبق النجاسة فهو من مسألة الشكّ في الحادثين من حيث التقدم و التأخّر و هو المراد من قول شيخنا قدس سره في الكتاب و لو لم يكن مسبوقا بحال إلى آخره فإن المراد به مايقابل الصورتين أي المسبوق بالكريّة أو عدمها الذي فرض فيه العلم بالحادثين مع الشكّ في التقدّم و التأخّر فأراد به بيان حكم ما ذكره الفاضل التوني في الصّورةالأخيرة على ما حكاه عنه من جعله أصالة عدم تقدم الكريّة مثبتة لنجاسة الماء فمنع من إجرائها بناء على أصله الذي أسّسه من عدم جواز الإثبات بالأصل العدميفإن الحالة السّابقة في الفرض و إن كانت عدم الكريّة لكنّها لا تجدي بعد العلم بزوالها فتدبّر و لا تغفل عن المراد من القول المذكور فإن في العبارة قرائن واضحةعلى ما ذكرنا في بيان المراد منها فلا بدّ أن يفرض انتفاء العلم بزمانهما و إلاّ فلا يفرض الشكّ في التقدّم و التأخّر كما هو ظاهر فله صور ثلاثة أحدها ما لو لم يعيّن زمانحدوث شيء منهما ثانيها و ثالثها ما لو عيّن زمان حدوث أحدهما بالخصوص و كان الآخر غير معيّن و الصورة الأولى ينقسم إلى قسمين أحدهما ما لا يحتمل فيهتقارن الحادثين أي الكريّة و ورود النجاسة في الماء ثانيهما ما يحتمل فيه تقارنهما وجودافي بيان حال أصالة التّأخّر و أصالة عدم التقدّم ثم إن قبل بيان حكم الأقسام لا بدّ من التعرّض لأمرين الأوّل أنه لا ريب ولا إشكال في أنّ نفس التقدّم و التأخّر ليس مما يجري فيهما الأصل وجودا أو عدما فالمراد من أصالة تقدّم الحادث سواء لوحظ بالنسبة إلى زمان وجودهأو بالنسبة إلى حادث آخر كما في المقام عدم وجوده في زمان يشكّ في وجوده فيه فمرجع أصالة عدم تقدّم أحد الحادثين على صاحبه إلى أصالة عدموجوده في زمان وجود الآخر فلا يخلو الأمر من أنه إما أن لا يكون هناك أثر شرعيّ بلا واسطة على هذا المنفي أصلا بالنسبة إلى شيء منهما فيما كانا مجهولي التاريخأو بالنسبة إلى المجهول فقط فيما فرض الآخر معلوم التاريخ أو يكون هناك أثر شرعي بالنسبة إلى المنفي في الصورتين و إما أن يكون هناك أثر شرعيّ كذلك بالنسبة إلى أحدهمادون الآخر فيما لو كانا مجهولي التاريخ و على الثاني لا يخلو الأمر إما أن يلزم من العمل بالأصلين طرح خطاب إلزاميّ منجّز بحسب العمل أو لا يلزم ذلك لا إشكال في عدمجريان الأصل في الصورة الأولى كما أنه لا إشكال في جريان الأصلين و العمل بهما في الثانية من الصورة الثانية كما أنه لا إشكال عندنا في عدم جريانهما في الأولىمن الصورة الثانية و تعارضهما و تساقطهما عند من يقول بتعارض الأصول و التساقط فيما كان علم إجماليّ بالخطاب المنجّز على ما عرفت من المسلكين في مطاويكلماتنا لعدم الإشكال عند كلّ أحد في جريان ما له أثر لا غير في الصورة الثالثة الثاني أن قوله عليه السلام إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء أو لم يحمل خبثا كما فيبعض الأخبار مشتمل على قضيّتين منطوقيّة و مفهوميّة و القاعدة في أخذ المفهوم من القضيّة الشرطيّة على ما تقرر في محلّه تبديل الشرط بنقيضه لا بضدّه وتبديل الجزاء بنقيضه فالمفهوم من الحديث الشريف أنه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجّسه كلّ شيء لا ما إذا كان قليلا كما توهّم و لمّا كان المعلول و هو الجزاء فيالقضيّة المنطوقيّة عدم الانفعال و التنجّس و العلّة و هي القضيّة الواقعة في حيّز الشرط التي علّل بها الجزاء أمرا وجوديّا و هو البلوغ قدر الكريّةفلا محالة يستفاد منه كون الملاقاة مقتضية للانفعال و الكريّة مانعة عنه و قد استفاد شيخنا قدس سره من القضيّة من حيث رجوع الضمير المنصوب في قوله عليه السلام لم ينجّسه شيء إلى الكرّ المفروغ كريّته كون سبق الكرّيّة مانعا عن الانفعال لا مجرّد وجوده و لو مقارنا للنجاسة فوجودها الخاصّ مانع لا مطلق وجودهافعلى ما أفاده قدس سره يدخل صورة تقارن حدوث الكريّة و ورود النجاسة على الماء في المفهوم فيحكم بالانفعال و هذا بخلاف ما لو جعل الملاقاة مقتضية ووجود الكريّة مانعا فإن مقتضاه دخولها في المنطوق فيحكم بعدم الانفعال ضرورة استحالة تأثير السبب المجامع لوجود المانع وجودا في المسبّب كالسبب المسبوقبوجود المانع في المحلّ مع أنه على تقدير خروجها عن المنطوق و المفهوم معا و سكوتهما عن بيان حكمها لا بدّ من الحكم بالطهارة من جهة العمومات الاجتهاديّة