بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠٨
بالكسر بل يكفي مجرّد زواله و لو بفعل غير المكلّف كالريح و الشمس أو بنفسه في رفع الوجوب كما إذا فرض الملاقى المشتبه ماء مثلا لاقاه ثوب المكلف أو بدنهفيبسا فالحكم بوجوب الاجتناب عن الأثر القائم بالملاقي بالكسر ما دام موجودا لا دخل له بوجوب الاجتناب عن نفس الملاقي كما لا يخفى في أن ما ذكر يجري في ملاقي النجس المعلوم ثمّ إنّ هذاالذي ذكرنا في بيان محلّ الكلام ليس مختصّا بالمقام بل يجري في ملاقي النجس المعلوم أيضا فإن البحث في دلالة ما دل على وجوب الاجتناب عن النجس وهجره على وجوب الاجتناب عن ملاقيه إنما هو في الملاقي من حيث هو لا في الأثر القائم عليه فيما فرض قيامه به و هذا الذي ذكرنا من غاية ظهوره لا يعتريهشبهة أصلا لمن كان له أدنى تأمل في كلماتهم فإن قلت لو كان الأمر كما ذكر لزم الحكم بطهارة أحد الإناءين إذا جفّ ماؤه المشتبه مثلا أو أهريق مع أنّظاهرهم عدم الالتزام بذلك قلت لا إشكال في لزوم الالتزام به فيما لم يوجد له طرف آخر يصيران موردين للعلم الإجمالي تنجّس أحدهما فإنه من جزئيّاتمحلّ البحث و أفراده و استظهار عدم التزامهم بذلك في غير محلّه إذ لا شاهد له أصلا بل قضيّة إطلاق كلامهم و عمومه شموله للفرض كما لا يخفى و أما الجوابفلأنه يتوجّه عليه أولا ما توجّه على السؤال فإن ظاهره بل صريحه تسليم كون النزاع في الحال و المحلّ جميعا مع أنك قد عرفت فساده و ثانيا بأنّ حديث ارتفاعالصدق و العنوان و التسمية بتفرق الأجزاء أجنبيّ عن المقام و إن كان صحيحا في الجملة و مسلّما عند كل أحد لأن حكم العقل بوجوب الاحتياط عن كلّ واحدمن المشتبهين ليس من حيث كونه ماء أو دبسا أو زبيبا أو سمنا مثلا حتى يقال بعدم صدق هذه العنوانات عند تشتت الأجزاء و تفرّقها بل من حيث كونهمشتبها و طرفا للعلم الإجمالي و من المعلوم بقاء هذا العنوان و صدقه على الأجزاء المتفرقة الصغار هذا مضافا إلى أن ارتفاع الصدق في الجملة على تقديركون الحكم العقلي للعنوانات الخاصّة لا يجدي بالنسبة إلى ما يكون عنوانه صادقا مع التفرق أيضا كما هو ظاهر و القول بتتميمم المدّعى بعدم القول بالفصل كما ترىو أما الأمثلة المذكورة لارتفاع الحكم الشرعي بارتفاع العنوان المعلّق عليه الحكم بتفرّق الأجزاء فإن كان المقصود منها إثبات ذلك في الجملة فقد عرفتأنه لا خفاء فيه و ليس محلاّ لإنكار أحد لكنه لا ينفع في المقام أصلا و إن كان المقصود منها إثبات الكليّة فتطرق المنع إليه جليّ هذا مع ما عرفت من عدملحوق الحكم في المقام للعنوانات الخاصّة مضافا إلى تطرّق المناقشة إلى بعض الأمثلة المذكورة كما في مثال الاستجمار فإن حكم الشارع و الأصحاب قاطبةبطهارة المحلّ مع بقاء أجزاء الصغار فيه ليس من حيث ارتفاع التسمية و العنوان و إلاّ لزم الحكم بطهارته و الحال هذه إن كان تطهيره بالماء أيضا مع أنه خلافقضيّة كلماتهم و اتفاقهم على بقاء النجاسة مع بقائها في المحلّ بل من جهة صدق عنوان النقاء عليه عرفا الذي تعلّق به الحكم بالطهارة في الاستجمار دون التطهير بالماءو لو مثل بماء الاستنجاء من حيث حكمهم بطهارته مع اجتماع الشرائط فيه فيما لو وجد فيه أجزاء الصغار من الغاية ما لم يبلغ حدّ التغيّر كان أولى فتأمل و ثالثا بأن ملاقاة شيء لأحد المشتبهين ليس ملازما لاستصحاب بعض أجزائه كما أن محلّ الخلاف ليس مختصّا به بل الكلام فيه من حيث الملاقاة كما أن الكلام في ملاقي النّجسمن حيث الملاقاة أيضا على ما عرفت الإشارة إليه فتلخّص مما ذكرنا كله فساد الملازمة المدّعاة في كلام الجماعة بين وجوب الاجتناب عن شيء و وجوب الاجتناب عمايلاقيه نعم قد يستفاد منه بواسطة بعض الأمارات الخارجيّة كما في ملاقي البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء فإنه استفيد من أمر الشارع بالطهارة عقيبه كونهمن جهة تقديم ظهور نجاسته من جهة الغلبة على الأصل فالأمر بالطهارة من حيث الحكم الظاهري بكونه نجسا فيحكم بترتيب جميع الآثار عليه التي منها نجاسة ما يلاقيهفلم يدلّ مجرّد الأمر بالاجتناب عنه أو الطهارة عقيبه على وجوب الاجتناب عما يلاقيه فلا تعلّق له بالملازمة المذكورة أصلا و ممّا ذكرنا في بيان حال ملاقيالبلل يندفع تعجّب صاحب الحدائق قدس سره من حكم الأصحاب بنجاسة ما يلاقيه و طهارة ملاقي أحد المشتبهين مع أنه لم يحكم الشارع في البلل و الملاقى بالفتح إلا ببعض أحكامالنجاسة و هو وجوب الاجتناب في الملاقي و وجوب الوضوء عقيب البلل هذا و ظاهر عبارة الكتاب كون كلام صاحب الحدائق في نفس البلل لا فيما يلاقيه في ذكر المسلكين الأخيرين لوجوب الاجتناب عن الملاقي هذا بعض الكلام في المسلك المعروف لإثبات وجوب الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين و هنا مسلكان آخران تعرض لأحدهما شيخنا الأستاذ العلاّمة في الكتاب مندون ابتنائهما على المسلك المعروف لا بد من التعرّض لهما الأوّل أن الملاقي بالكسر مورد للعلم الإجمالي بالنجاسة كالملاقى بالفتح غاية ما هناك كونهما معاطرفا و صاحب الملاقى طرفا آخر فهو نظير ما لو قسّم أحد المشتبهين قسمين و جعل كلّ في إناء فإنه لا ريب في وجوب الاجتناب عنهما معا و لا خلاف فيه أيضافيلزم أن يحكم به في المقام أيضا و هذا الوجه هو الذي أشار إليه شيخنا قدس سره في الكتاب بقوله فإن قلت وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه و إن لم يكن منحيث ملاقاته له إلى آخر ما أفاده و حاصله كون الملاقي كالملاقى طرفا فإما أن يحكم بعدم جريان الأصل فيه كما في الملاقى و صاحبه لمكان العلم الإجماليأو يتعارض الأصل فيه مع الأصل في صاحب الملاقى على الوجهين في الرجوع إلى أصالة الاحتياط كما عرفت الكلام فيهما غاية ما هناك كون الأصلفي صاحب الملاقى في الفرض معارضا بأصلين معاضدين لكنه لا يجدي بعد البناء على عدم الترجيح في تعارض الأصول بل قد يقال بكون المقام أولىبالحكم بوجوب الاجتناب فيه عن ملاقي النجس المعلوم مع الإغماض عن سببيّة الملاقاة فيه لنجاسته بحكم الشارع هذا و لكنّك خبير بفساد هذا المسلكو ابتنائه على المغالطة الواضحة حيث إنّه عند التأمّل مبنيّ على ما أوضحنا لك فساده غاية الإيضاح من كون النزاع فيما كان من أجزاء الملاقى موجودا فيالملاقي بالكسر و إنه من باب مجرّد تبدّل المحلّ و الاجتماع و الافتراق و من هنا توهّم كون الملاقي بالكسر طرفا للعلم الإجمالي و إذ قد عرفت فساده بما لا مزيد