بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢٣
له تحصيل العلم بالبراءة و لو بالصلح و لم يقل فيجب عليه تحصيل العلم من حيث احتمال كون الحكم الثابت هو خصوص التعزير الذي لا يفيد الصلح و لاالإبراء له و إنما يفيد أن في الضمان المحتمل و هذا التوجيه كما ترى حسن إلا أنه ربما ينافي الترقي المذكور في كلامه فإن ظاهره إثبات العلم بالحكم و لو إجمالاالمانع من الرجوع إلى البراءة اللهمّ إلا أن يجعل مطلق العلم بالحكم و لو مثل العلم في المقام مانعا لكنّه ينافيه ظاهر قوله فينبغي إلا أن يحمل على خلافظاهره فيحكم بإرادة الوجوب منه كما استفاده منه شيخنا قدس سره هذا و يتوجّه عليه مضافا إلى ما عرفت من أن مجرّد احتمال إرادة الواقعة من الدليل الواردمن الشرع لا يوجب رفع اليد عن البراءة و إلا لزم رفع اليد عنها في جميع موارد إجمال الدليل و هو كما ترى فلا يجوز رفع اليد عن البراءة بمجرّد احتمال شمولدليل الإتلاف و نفي الضرر و إن كان احتمالا مساويا نعم على تقدير شمولهما للأمثلة المذكورة و نحوها كما هو الظاهر يتعيّن رفع اليد عنهالحكومتهما أو ورودهما عليها على ما هو شأن جميع الأدلّة الاجتهاديّة بالنسبة إلى الأصول العمليّة أنه ليس في المقام علم إجماليّ أصلا حتى يكون بعضأطرافه وجوب الغرامة أو الضمان لأنّ كلاّ من الحرمة و التعزير ثابت في صورة العمد جزما و إنما الشكّ في الغرامة و ليس في الخطاء إلاّ احتمال الغرامة ليس إلاّمع أن دوران الأمر بين التعزير و الغرامة مع كون الأوّل متيقّنا على كل تقدير و رجوع الشكّ بالنسبة إلى الغرامة إلى الشكّ في التكليف النفسي الاستقلاليلا يفيد شيئا مع أنّه على تقدير لزوم الاحتياط بالنسبة إليه أيضا لا يفيد في المقام أصلا لدوران الأمر بين تكليف النفس و الغير فإنّ وجوب التعزير إنما هوتكليف الحكّام لكن ما ذكرنا إنما يتوجّه عليه إذا أريد من قوله ينبغي وجوب تحصيل العلم بالبراءة من الحق الاحتمالي كما هو لازم منعه من الرجوع إلى البراءة ومن هنا حمله شيخنا قدس سره على وجوب الاحتياط و تحصيل العلم بالبراءة لا استحبابه كما هو الظاهر من لفظه ينبغي سيّما في كلمات الفقهاء ثمّ إنّ ماذكرنا إنما هو على تقدير تسليم الشكّ في الحكم في الأمثلة المذكورة و نظائرها و إلاّ فالتحقيق ثبوت الضمان فيها لقاعدة الإتلاف من حيث كونهاأعمّ من المباشرة و التسبيب فيما يستند الفعل إلى فاعل السبب عرفا و نفي الضرر معا على ما ستقف عليه عند التكلّم في بيان قاعدة نفي الضرر فماعسى ربما يستظهر من السيّد الصدر الشارح من الحكم بعدم الضمان في الأمثلة و نظائرها ليس ممّا ينبغي المصير إليه فلعلّ المراد مجرّد الفرض و التقديركما ذكرنا قال قدس سره التمسّك بالبراءة بالنسبة إلى المكلّف ليس مرجعه إلاّ عدم إلزام المكلّف بفعل شيء أو تركه و كونه مخيّرا في اختيار ما شاء منهما إلى أن قالفعلى هذا نقول لا شكّ في قبح الإضرار عقلا و شرعا إذا لم يكن له جهة محسّنة كالقصاص مثلا و إنما الكلام في لزوم جبرانه على المكلّف و في مقدار الجبرانفإن كان عليهما أو على الأوّل دليل معتبر فلا يجوز التمسّك بالأصل إذ لا اعتداد به مع النّاقل و إلاّ فحكم الأصل جار و على المضرّ الندم و على المستضرّ الصبرو الاحتساب و أمّا مجرّد احتمال أن يكون ما نحن فيه مندرجا تحت قوله عليه السلام لا ضرر و لا ضرار أو مندرجا تحت ما دلّ على حكم من أتلف مالا لغيره فلا يكفي لعدمإمضاء حكم الأصل الذي دلّ على حجيّة العقل و النقل انتهى كلامه رفع مقامه و ليس الظاهر منه كما ترى بيان حكم المسألة الشخصيّة من حيث هي بلالظاهر منه على ما عرفت من عدم المانع من الرجوع إلى الأصل على تقدير عدم ظهور دليل نفي الضرر و قاعدة الإتلاف و أنّ مجرّد احتمال الشمول لايمنع منه و بالجملة ما أفاده الفاضل التوني في الشرط الثاني لا يخلو عن مناقشة مثل ما أفاده في الشرط الثالث من اعتبار أن لا يكون مجراه ممّا يشكّ فياعتباره في العبادة جزءا أو شرطا نظرا إلى أنّ المثبت لأجزاء العبادة إنما هو النصّ فإثبات كون الماهيّة هي الأصل الخالي عن المشكوك بالأصل غير جائزفكأنّه نظر إلى ما عرفت تضعيفه في محلّه من جماعة من المتأخّرين من أنّ الأصل و إن جرى في نفي الوجوب الغيري كالنّفسي إلاّ أنّه ما لم يتعيّن الماهيّة يحكم العقلبالاحتياط و أصل البراءة لا يصلح للتعيين و قد أسمعناك ما يقتضيه التحقيق في ذاك المقام و أنّ القائل بالبراءة في الدوران المذكور لا يلزمه تعيين الماهيّةبالأصل و إنّما الغرض من الرجوع إليها مجرّد نفي وجوب المشكوك في مرحلة الظاهر نظرا إلى عدم اقتضاء العلم الإجمالي فيه وجوب الاحتياط في حكم العقلأو ورود الأخبار على حكمهفي أنّ أخبار الضّرار متواترة أم لا قوله قدس سره و قد ادّعى فخر الدين في الإيضاح في باب الرهن تواتر الأخبار إلى آخره(١)أقول نقل غير واحد دعوى تواتر أخبار القاعدة عن الفخرفي الإيضاح و لكن ذكر قدس سره في الرسالة المستقلّة المعمولة في هذه القاعدة بعد حكاية دعوى تواتر الأخبار عن الفخر في محكيّ الإيضاح في باب الرهن أنّه لم يعثر عليهنعم عن الشيخ الحرّ قدس سره في كلماته أنه عقد بابا لذلك و ادّعى كثرة الأخبار الواردة فيه فقال باب أنه لا يجوز الإضرار بالمؤمن و لا يجب عليه تحمّل الضررإلاّ ما استثني ثم قال بعد نقل طائفة من الأخبار الواردة في ذلك أقول و الأحاديث في ذلك كثيرة ذكرنا بعضها في كتاب وسائل الشيعة في إحياءالموات و في الشفعة و غيرهما انتهى كلامه رفع مقامه و ما ذكره قدس سره من كثرة الأخبار الواردة في هذا الباب و استفاضتها ممّا لا يعتريه ريب أصلا فإنّها قدتجاوزت من العشرة يقينا و أمّا دعوى التواتر سواء أريد به التواتر اللفظي أو المعنوي فالعهدة على مدّعيها لكن لا حاجة إلى إثبات التواتر أو قطعيّةصدورها من جهة الاحتفاف بالقرينة إلاّ على مذهب من يدّعي عدم حجيّة أخبار الآحاد مطلقا و إلا فلا إشكال في حجيّتها لصحّة سند جملة منها و اعتبارأسناد الباقي فلا إشكال في المقام من جهة سند الأخبار أصلا بل ربما عمل بها القائل بحرمة العمل بأخبار الآحاد بل مضمونها ممّا انعقد عليه الإجماعو حكم به العقل المستقل بل دلّ عليه كتاب العزيز أيضا بل الإنصاف وضوح دلالتها على القاعدة كوضوح سندها غاية ما هناك وقوع التأمّل في عمومها