بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٣
كلماتنا السابقة بما لا مزيد عليه و أمّا المؤيّدات المذكورة في الكتاب
لصرف النبوي عن ظاهره على تقدير تسليم ظهوره المنطبقة علىما يستفاد منه و
الموافقة له مفادا في الجملة فهي أدلّة على المدعى و شواهد عليه حقيقة لا
أن يكون الحاصل منها مجرّد التأييد و التقوية اللهمإلاّ أن يكون المراد من
التأييد ما يعمّ الدلالة فإنها نحو من التأييد أيضا إذا لوحظ وجود دليل
آخر نعم قد يتوهم أن الوجه الأخير أيالأخبار لا يصلح للدلالة لكنّه فاسد
بعد التأمل في مساقها و أن الغرض من الجميع مطلب واحد فيكفي دليلا للصرف أو
تأييدا للمستفاد منالنبوي من إرادة مطلق الرجحان لا خصوص الإلزام نعم
مفاد الوجه الثالث خصوص الطلب الندبي على ما عرفت الإشارة إليه فينطبقعلى
المعنى الثاني للوقوع في الحرام الذي قد عرفت عدم ابتناء الاستدلال عليه
فالغرض مجرّد ذكر ما يدلّ على عدم كون النبوي في مقام خصوصالإلزام و جعله
ردّا على من زعم ذلك و إن كان مفاده الطلب الإرشادي الندبي فإنه يكفي ردّا
عليه و إن انطبق على المعنى الثاني و ممّا ذكرناكلّه يندفع ما يتوجه على ما
أفاده شيخنا في المقام من الخلط بين المعنيين و أنّ مبنى ما ذكره في
الجواب من حمل الأمر في النبوي على الطلب القدرالمشترك الإرشادي على إرادة
المعنى الأوّل من الوقوع لا الثاني منه فتدبّر ثمّ
إن ما أفاده في تقريب الأمر الأوّل من منافات التخصيصو لو لم يكن كثيرا
أو أكثر لسياق النبوي الوارد في مقام الحصر و أن الوقوع في الحرام الموجب
للهلاك لا ينفكّ عن ارتكاب المشتبه الكاشفعن طلب ترك الارتكاب أينما وجد
ممّا لا إشكال فيه و أمّا لزوم تخصيص الأكثر بإخراج الشبهات الموضوعيّة
التحريميّة فهو مبنيّ على كون خروجهابإخراجات كثيرة و بعنوانات متعدّدة و
أما إذا كان بعنوان واحد و إن كان المخرج كثيرا على ما يقتضيه التأمّل في
دليل الجواز فلا يتوجّه عليهلزوم تخصيص الأكثر الموجب لوهن العموم كما
حقّق في محلّه و أمّا توهّم الخروج الموضوعي للشبهة الموضوعيّة من حيث أن
دليل جوازهايقتضي بإباحتها ظاهرا فيكون من الحلال البيّن فيكون واردا على
النبوي لا مخصّصا فقد أوضح فساده في الكتاب و أنه بناء عليه نقولبمثله في
الشبهات الحكميّة و أن دليل جواز ارتكابها من الأدلّة المتقدمة يقتضي
بكونها من الحلال البيّن فيكون واردا على النبوي فيختص بمالا يجري فيه دليل
البراءة من الشكّ في المكلّف به ٤٣ في الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري و تحرير المقام على نحو ينبغي
قوله
قدس سره أحدهما أنا نعلم إجمالا قبل مراجعة الأدلّة الشرعيّة بمحرّمات كثيرة إلى آخره(١)
أقول
لا يخفى عليك الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري إما أن يكون من
جهة كونه من العقل الفطري على أبعد الوجوه أو الضروريالغير المعارض بالعقل
أو النظري المعاضد بالنقل أو يكون مبنيّا على الإلزام لأن الاستدلال به
على مذهبهم لا يجوز إلا بأحد التقادير ثمّ إنالفرق بين الوجهين مع
ابتنائهما على احتمال الضرر هو ملاحظة العلم الإجمالي على الوجه الأوّل و
عدم ملاحظته على الوجه الثاني ثمّ إنمحصّل هذا الوجه أنا نعلم إجمالا
بوجود محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة نسبتها إلى المحتملات نسبة الحرام
إلى الحلال في الشبهة المحصورة فهيمن شبهة الكثير في الكثير كما أن
الشبهة المحصورة من شبهة القليل في القليل و مقتضى العلم الإجمالي بحكم
العقل المستقل على ما عرفت مرارا وستعرفه تنجّز الخطاب بالمعلوم إجمالا
فلمّا كان محتملا في كلّ شبهة فيحتمل العقاب عند ارتكاب كل شبهة و يستقل
العقل بوجوب دفعه و هذامعنى أن الاشتغال اليقيني يقتضي في حكم العقل
البراءة اليقينيّة فإن مبنى وجوب تحصيل العلم بالبراءة عن التكليف المعلوم و
الخطاب المنجّز في حكمالعقل هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل و من هنا
أنكر وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و نحوها من صور الشكّ في المكلّف به
من زعم عدمإلزام العقل بدفع الضرر المحتمل كالمحقق القمي قدس سره في
القوانين على ما ستقف عليه فالصغرى و هي وجود العلم بالمحرّمات الكثيرة في
الوقائع المشتبهةو إن كانت وجدانية إلا أن الكبرى عقليّة و إن كشف حكم
العقل عن حكم الشارع على الملازمة بينهما كما هو الشأن في جميع ما يستقل
العقلبحكمه لكنه ليس من التمسّك بالدليل النقلي الكاشف عن حكم الشارع أيضا
كالدليل العقلي و بمثل ما عرفته ينبغي تحرير المقام في بيان الوجه
الأوّللا بمثل ما حرّره قدس سره في الكتاب فإنه قد يشتبه أمره على بعض
الأوائل فيزعم أنه يريد التمسّك لإثبات الكبرى بالكتاب و نحوه من الأدلة
النقليّة الدّالّةعلى وجوب الانتهاء عما نهى النبيّ صلى اللَّه عليه و آله
عنه فيورد عليه بأنه خروج عن الفرض و عدول عن التمسّك بالدليل العقلي إلى
الدليل النقلي مضافاإلى أن الآية و أمثالها لا تقتضي ثبوت تكليف شرعيّ
متعلّق بالحرام المعلوم و إنما تقتضي خطاب إلزامي إرشاديّ هذا مضافا إلى أن
قوله لأنالاشتغال اليقيني إلى آخره لا يناسب المقام أيضا أصلا لأن اقتضاء
الاشتغال اليقيني البراءة اليقينيّة من جهة الاتفاق خروج عن الفرض أيضا
فلامساسة له أصلا و إن كان الزعم المذكور فاسدا نظرا إلى وضوح المراد لمن
أعطى النظر إلى أطراف كلماته فإن المراد ليس التمسك بالآيةالشريفة بل
المراد التمسّك بما هو مركوز في النفوس من وجوب إطاعة خطابات الشارع
بالوجوب الإرشادي الذي أكّده الآية الشريفة و ليس مدلولهاحكما تأسيسيّا من
الشارع بل هو تأكيد لحكم العقل كما يدلّ عليه قوله و نحوه فتدبّر و أما
قوله لأن الاشتغال اليقيني إلى آخره فليس الغرض منهالتمسّك بالإجماع
الاصطلاحي بل الغرض أن اقتضاء الشغل اليقيني في حكم العقل البراءة
اليقينيّة ممّا اتفق عليه الكل و لا منازع فيه أصلا