بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٥
النكاح المقتضي لتأثير العقد و صحّته و ثالثا أن العلم الإجمالي الذي جعله
مانعا من الرجوع إلى الأصل الموضوعي بتولد المرأة من والدة و رضاعهامن
مرضعة لم يعلم له معنى صحيح أيضا لأنّه لا يترتّب على توليدها من غير والدة
الزوج و كذا رضاعها من غير مرضعة أثر أصلا و إنّما الغرض نفيالنسب و
الرضاع بينها و بين الزوج نعم لو قيل بالأصل المثبت أمكن فرض التعارض في
المقام لكنه بمكان من الضعف و السقوط سيّما في مثل المقامو رابعا أن قوله
سلّمنا جريان الأصل إلى آخره مبنيّ على ما عرفت فساده في غير موضع من عدم
جواز الجمع بين الأصل الموضوعي و الحكمي سواء تعارضاأو تعاضدا و خامسا أن
قوله ثم إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين إلى آخره مبنيّ على جواز
التمسّك في الشبهات الموضوعيّة بالعمومات و الإطلاقاتو هو في كمال الضعف و
السقوط أيضا لأن الرجوع إلى الأصل اللفظي إنما هو في الشكّ في المراد و لا
يتصوّر شك فيه بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيةكما هو ظاهر و سادسا أن قوله و
إن كان قبل ملاحظتها إلى آخره لا محصّل له أيضا لأن كون مقتضى الأصل
الأوّلي مع قطع النظر عن أصالة الفساد المتّفقعليها الحلّيّة مع تعيّن
الرجوع إلى الأصل المذكور المقتضي للحرمة لا فائدة فيه و لا يمكن تنزيل
الرواية عليه فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا مناص منجعل ذكر المذكورات
في الرواية من جهة التقريب و التنظير لا التمثيل و كونها من جزئيّات
الكليّة المذكورة فيها ثمّ إنّه قد علم من مطاوي ما ذكرنا منالمقصود من
رواية مسعدة بن صدقة و غيرها مما دل على حليّة المشتبه مطلقا أو في خصوص
الموضوع إثبات الحلّيّة عند احتمال التحريم الذاتي بل قدعرفت سابقا أنه
المراد من جميع صور دوران الأمر بينه و بين غيره فإذا شكّ في لباس أنه من
جنس ما يصلّى فيه أم لا فإن كان المنع عن الصّلاة فيه من حيثاحتمال تحريم
لبسه نفسا و ذاتا فيجوز الرجوع فيه إلى أصالة الحلّيّة و الحكم من جهتها
بصحة الصلاة فيها و إن كان من جهة أمر وضعيّ من مانعيّة لبسهللصّلاة مثلا
مع جواز لبسه بحيث لا يحرم فيه الصلاة إلا من حيث بطلانها به فيحرم تشريعا
إن فرض التشريع فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّة و الحكمبجواز الصّلاة
فيه الذي هو في معنى الحكم بالصحّة و ثبوت الأمر الوضعي بل مقتضى ما دلّ
على الشرطيّة أو المانعيّة إحراز حال اللباس و الحكم ببطلانهامع الشك كما
هو ظاهر الفقهاء و قد أشرنا إلى ذلك فيما قدّمناه لك و أعدنا القول فيه و
كررناه من جهة ما رأينا من بعض أفاضل أهل العصر من سلوك خلافه قوله
قدس سره و توهّم عدم جريان قبح التكليف بلا بيان إلى آخره(١)
أقول
ما ذكره قدس سره مجرّد توهّم نظرا إلى ما أفاده من أن البيان الذي هو من
وظيفةالشارع قد صدر منه و وصل إلى المكلف في الفرض فلا يحكم العقل بقبح
المؤاخذة على تقدير مصادفة الحرام لا مطلقا و إلاّ فلا يظنّ وقوع أحد
فيهذا الوهم نظرا إلى أنّ مناط القاعدة ليس قبح ترك البيان على الشارع حتى
يدفع بصدوره و وصوله بل علم قبح مؤاخذة من لا يعلم بتوجّه الخطاب إليه
وتنجّزه في حقّه سواء لم يبيّنه الشارع أصلا أو بينه و لم يصل إليه أو وصل
إليه و لم يعلم بتوجّهه إليه من جهة عدم العلم بوجود موضوعه في واقعةلا
تفصيلا و لا إجمالا و مجرّد تعلق الخطاب بالموضوعات النفس الأمريّة و
تبعيّة الحكم للواقع و إن جهل المكلف به لا يوجب شيئا على المكلّف في
حكمالعقل و الشرع لأن النتيجة تابعة للعلم بالمقدّمتين و لا يكفي مجرّد
العلم بالكبرى و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا نعم قد وقع في هذا الوهم
بعضفي الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة كما سيجيء الكلام فيها و إن كان الحقّ
عدم الفرق بين الشبهتين و وضوح فساد التوهم المذكور هذا في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام
و أمّا ما أفادهقدس سره من النقض بجريان التوهم المذكور في الشبهة
الحكميّة أيضا بقوله و ما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا قد يناقش فيه بأن ما
يفرض من الشبهة الحكميّةمن جزئيّات المسألة الثانية أي إجمال النصّ الذي
هو محلّ النقض فالقياس عليه في غير محلّه لأنّ البيان التام لم يصل إلى
المكلّف بالفرض إذالمفروض عدم تبيّن الموضوع الشرعي و عدم وضوح المراد من
اللفظ لإجماله و ما لا مدخل فيه كمطلق الشبهة الحكميّة من حيث الشكّ في
دخولهافي قوله تعالى ما نَهاكُم عَنْهُ فانتَهُوا وَ أَطيعُوا اللَّهَ وَ رَسُوله
و نحو ذلك فيتوجّه عليه أن هذه الخطابات لا تؤثر في ذمّة المكلّف شيئا
لأنّهاخطابات إرشاديّة كما هو ظاهر فالنقض لا توجّه له على كلّ تقدير فإن
شئت قلت إن قياس المقام بالشبهة الحكميّة في جريان حكم العقل بالبراءةفيهما
من حيث إناطته بعدم توجّه الخطاب إلى المكلّف سواء لم يعلم بالخطاب أصلا
أو علم و كان مجملا أو كان مبيّنا معارضا بما كان مكافئاله أو علم به و كان
مبيّنا سليما عن المعارض و لكن شك في تحقق موضوعه و وجوده أو كون الموجود
من مصاديق موضوعه في كمال الاستقامةنظرا إلى عدم علم المكلّف بتوجّه خطاب
الشارع إليه في جميع الصور المذكورة إلا أن قياسه بها في جريان القياس
المغالطي لحكم العقل بالاشتغالمن حيث وصول البيان الذي كان من وظيفة
الشارع إلى المكلّف في المقامين فيجب من أجله الاحتياط و تحصيل القطع
بالاجتناب عن جميع مايحتمل تعلّق الخطاب المبيّن به من حيث إن الموضوع
الكلّي الذي يشكّ في تحريمه كشرب التتن مثلا و إن كان الشك فيه شكّا في
الحكم الكلّي الإلهيمن حيث هو إلا أنه يرجع إلى الشكّ في صدق الخبيث عليه
الذي ثبت تحريمه في الكتاب أو صدق عنوان المنهيّ عليه الذي ثبت وجوب
الانتهاءعنه في الكتاب فهو بهذا الاعتبار يرجع إلى الشك في الموضوع و
متعلّق الخطاب مع تبيّن نفس الخطاب فيجب الاحتياط فيه بهذه الملاحظة و
الحيثيّة غيرمستقيم أمّا أوّلا فلأن وجوب الانتهاء عما نهى الشارع عنه
إرشاديّ محض لا يوجب اشتغالا و لا احتياطا في حكم العقل نظير وجوب