بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٧١
على أن المطلوب و مراد الشارع من ألفاظ العبادات الماهيّة الصحيحة التامة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط فقد قيّدت بتمامها دفعة واحدة بقيد مبيّن مفهوماشكّ في مصداقه و محصّله في الخارج فيجب الاحتياط في تحصيله على ما قضت به كلمتهم في المسألة الرابعة لعدم الفرق في المسألة بين تعلّق الحكمبعنوان مطلق مبيّن مفهوما و بين تعلّقه بعنوان مقيّد بقيد مبيّن كذلك إذ كما يجب في حكم العقل تحصيل ما يقطع بحصول المطلوب معه في الأقلّ كذلكيجب تحصيل ما يقطع معه بحصول العنوان المقيّد في الثاني و لا يجوز الاقتصار بما يحتمل معه الحصول في المقامين كما هو ظاهر و ليس هذا الدوران و الترديدفي نفس المقيّد حتى يرجع معه إلى أصالة الإطلاق بناء على القول بالرجوع إليها عند إجمال المقيّد و دورانه بين ما يوجب قلّة التقييد و كثرته أو إلى أصالة البراءةبناء على القول بعدم الرجوع إليها مطلقا كما قيل أو إذا كان المقيّد متّصلا لبيّا كالإجماع و نحوه كما هو المختار لحصول الإجماع المانع من التمسّكبالإطلاق فيرجع إلى أصالة البراءة لكونها الأصل في المسألة بل في مصداقه و محصّله الخارجي بعد تبيّن مفهومه هذا و يظهر فساده مما ذكرنا سابقا من أنّلفظ الصحيح و إن كان مبيّنا لا إجمال فيه أصلا إلاّ أن لفظ العبادة كالصّلاة مثلا لم يوضع على القول بوضعه للصحيح لمفهوم هذا اللفظ بل لمصداقه المردّد و كذلكنقول في المقام إن الصّلاة على القول بوضعها للأعمّ بعد العلم بإرادة الصحيحة منها بالنظر إلى الاتفاق بل الضرورة لم يقيّد بمفهوم لفظ الصحيح بل مقيّد على فرضتسليم التقييد و الإغماض عمّا سيجيء من منعه بما يكون المفهوم المذكور صادقا عليه في الإشارة إلى توهّم آخر و تضعيفه ثانيهما يقتضي المنع عن التمسّك بالإطلاق مطلقا فيرجع إلى أصالة الاشتغالعلى ما هو لازم القول بالوضع للصحيح على ما زعموا فيتجّه القولان من حيث اللازم و الثمرة و مبناه على ما عرفت في التوهّم الأول من قيام الإجماع بل الضرورة علىكون المراد من ألفاظ العبادات هي الماهيّة التامّة الجامعة فيقال في بيان التوهّم إن لازم تقييدها بما ذكر مع إجماله و تردّده بين الأقل و الأكثر نظرا إلى تقييدهابالمصداق إلاّ بالمفهوم صيرورة المطلقات بأسرها مجملة فيكون حالها حال القول بالصّحيح من عدم الإطلاق لها أصلا و أنت خبير بضعف هذا التوهم أيضا لأنالصلاة كما لم يقيّد بمفهوم الصحيحة كذلك لم يقيّد بمصداقها بمعنى استعمال اللفظ فيه حتى يلزم الإجمال كما عرفت على القول بالوضع للصحيح بل القدر المسلّم هو تقييدإطلاقها بما ثبت من الدليل اعتباره فيها شطرا أو شرطا فيما لو فرض وجود الإطلاق لها فيلزم رفع اليد من الإطلاق بالنسبة إليه خاصّة و كون المراد و المطلوبهو الصحيح في الواقع و نفس الأمر لا يستلزم تقييد الإطلاق به بحيث يعتبر عنوانا ضرورة أن الإرادة لا يقيّد اللفظ بحيث يصير المراد عنوانا كما أنه لا يوجب استعمالاللفظ فيه كيف و قد تقرّر في محلّه حسبما مرّت الإشارة إليه أيضا أن النزاع في مسألة الصحيح و الأعمّ ليس مبنيّا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة و عدمه و لا محرّرة علىالقولين في تلك المسألة بل النزاع إنما هو فيما استعمل فيه اللفظ و إن كان الاستعمال بطريق المجاز و إن بلغ حدّ الحقيقة في عرف المتشرّعة من باب الاتفاق من غيرأن يكون النزاع مبنيّا عليه فكيف يمكن أن يقال مع ذلك إن المستعمل فيه على القول بالأعمّ هو خصوص الصحيح الجامع لتمام ما يعتبر في العبادة بل اللازم بعد قضاء الأدلّةالقطعيّة على ثبوت الملازمة بين إرادة الشارع و الصحّة و عدم تعلّق إرادته بالفاسد كما يقتضيه فرض فساده هو الحكم بعدم انفكاك ما أراده الشارع بظاهر اللفظعن الصّحة في الواقع لا بطريق الاستعمال بل على وجه التصادق و التقارن و من الواضح البيّن أن هذا المعنى لا يوجب الإجمال في اللفظ أصلا فلا يوجب منع الرجوع إلىإطلاق اللفظ فيما فرض له إطلاق معتبر و قد وقع نظير التوهّم المذكور لبعض المتأخرين في قوله تعالى أوفوا بالعقود في قبال المتمسّكين بالآية الشريفة على اللزوم و الصحّة حيثزعم أنه لا يجوز التمسّك بالآية الشريفة على اللزوم إلا بعد إحراز صحة العقد من الخارج و من دليل آخر نظرا إلى أن المراد من العقد الذي تعلّق الأمر بوفائه هو الصحيح فلا يمكنإحرازه من نفس الأمر و يظهر فساده أيضا مما ذكرنا من عدم إرادة الصحّة من اللفظ بأحد الوجهين المتقدّمين فيستكشف من لزوم العقد صحّته بالدلالة الالتزاميّة التبعيّةبعد ثبوت الملازمة المسلّمة و بالجملة لا ينبغي الإشكال في فساد التوهم المذكور في المقام لما عرفت مضافا إلى استلزامه لعدم جواز التمسّك بشيء من الإطلاقاتبل العمومات الواردة في الكتاب و السنّة في أبواب الفقه من أوّله إلى آخره حتى المعاملات بالمعنى الأعمّ و ظهور الملازمة كفساد التالي مما لا يحتاج إلى البيان أصلا وقد أشرنا إلى سريان التوهم المذكور إلى الآية الشريفة فإنه بناء على التوهم المذكور إلى الآية الشريفة فإنه بناء على التوهم المذكور إذا أريد التمسّك بالإطلاق قوله تعالىأَحَلَّ اللَّهُ البيع أو عمومه على الوجهين لصحّته ببيع وقع الكلام فيه مثلا يقال إن مورد تحليل الشارع هو البيع الجامع للشرائط و الأمور المعتبرة في تأثيره و صحّته عندهإذ تحليله لا يتعلّق بالفاسد فقد ثبت تقييده بهذا العنوان المبيّن مفهوما أو مصداقه المجمل المردّد فلا إطلاق للآية الشريفة فيجب الرجوع إلى أصالة الاشتغال و لايجوز الرجوع إلى أصالة البراءة أيضا و هكذا الكلام إذا أريد التمسّك بالعمومات كما عرفت تقريبه مما ذكرنا سابقا في بيان توهّم بعض المتأخرين و الدافع للتوهم المذكورفي جميع موارده ما عرفت من أن الدليل القاضي بعدم إرادة الشارع للفاسد لا يقتضي أخذ عنوان الصحيح على وجه التقييد و لا استعمال اللفظ فيه و لو مجازا بل مقتضاههو التلازم بين الإرادة و الصحّة في نفس الأمر فيكشف من جهة إطلاق اللفظ أو عمومه عن كون الفاقد لما يحتمل اعتباره مرادا في الواقع فيحكم بصحّته و عدم دخل المحتملفيها أصلا بالنظر إلى التلازم المذكورفتبيّن مما ذكرنا كلّه الفرق بين جعل الشيء قيدا للعنوان و الموضوع الذي تعلّق به الحكم أو استعمل فيه اللفظ فيه كما لو قالالمولى أكرم العلماء العدول مثلا أو أكرم جيراني المحبّين إلى غير ذلك و بين العلم بعدم إرادة المولى من متعلّق خطابه إلاّ من كان واجدا لصفة كذائيّة أو ما كانكذلك في نفس الأمر كما إذا قال أكرم جيراني و علم من الخارج أن إرادته لا يتعلّق بإكرام من كان عدوّا له أو ورد أمر من المولى بلعن طائفة كبني أميّة مثلا أو إظهار البراءة