بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٠٠
من التعليقة عند الكلام في الاستدلال على حجيّة مطلق الظنّ بقاعدة دفع الضرر المظنون فليراجع إليه و ممّا ذكرنا كله يظهر لك أن ما أفاده شيخنا قدس سرهغير واف بالمراد فليته حرّر المقام بمثل ما حرّرناهقوله قدس سره و أما الثاني فلوجود المقتضي إلى آخره(١)أقول بعد إثبات شرطية الفحص في الرجوع إلى البراءة و عدمجواز الاستناد إليها قبل الفحص لا يبقى هنا محلّ للتكلّم في معذوريّة الجاهل التارك للفحص العامل بالبراءة مع مخالفة عمله للواقع ضرورة منافاة معذوريتهفي مخالفة الواقع مع فرض تركه الفحص الواجب عليه بالمعنى المتقدّم فلا ينبغي تحرير الكلام في إثبات عدم المعذوريّة و الفرض هذا كما لا يخفى بل التحقيقالحكم باستحقاقه للمؤاخذة على مخالفة الواقع المجهول على القول بوجوب تحصيل العلم نفسا أيضا لأنه لا ينكر شرطية الفحص في العمل بالأصل فيالشبهة الحكميّة و إن قال بوجوب تحصيل العلم نفسا أيضا لعدم التنافي بين وجوب الشيء لنفسه و شرطيّته لشيء آخر كغسل الجنابة على مذهب بعض الأصحابنعم لا بدّ من قيام الدليل على الشرطيّة على مذهبه غير ما دل على وجوب تحصيل العلم المحمول عنده على الأمر النفسي و إن لم يجامع عندنا مع جواز الرجوع إلى الأصل قبلالفحص على ما أسمعناك سابقا فيستحق على مذهبه عقابان أحدهما على مخالفة الواقع ثانيهما على ترك التعلّم اللّهم إلاّ أن يقول باختصاص وجوب تحصيلالعلم نفسا بصورة العلم بالتمكّن من تحصيل العلم بحكم الواقعة فيفترق مع اشتراط الفحص في العمل بالأصل فيقول هنا بمقالة المشهور فتأملقوله قدس سرهو فيه أن معقد الإجماع تساوي الكفار إلى آخره(٢)أقول قد عرفت أن عدم معذوريّة الجاهل في مخالفة الواقع بعد البناء على اشتراط الفحص من القضايا التيقياساتها معها فلا يحتاج إلى الاستدلال بالإجماع المذكور و بغيره إلا أن الاستدلال به أيضا لا غبار عليه بعد تعميم كلامهم لما يشمل الجاهل البسيطو لو بفحوى حكمهم بالمؤاخذة في الجاهل المركّب من الكفار و الوجه في ذلك أن الإجماع المذكور ليس كالإجماع على مشاركة المعدومين مع الموجودين فيالتكليف أو مشاركة الغائبين مع الحاضرين فيه حتى يقال بأن مرجعه إلى إثبات الكبرى فإذا شكّ في مورد فيما كان حكما في أصل الشرع و تكليفا للمخاطبينمن جهة الشكّ في شرطيّة شيء للتكليف و الحكم الكلّي الإلهي لم ينفع الإجماع المذكور و لا غيره من أدلّة الاشتراك في رفع الشكّ المزبور أصلا بل لا بدّ منالتماس دليل آخر فإنه إجماع على المؤاخذة مع فرض جهلهم فينافي شرطية العلم في استحقاق المؤاخذة نعم لا ينافي شرطيّة أمور أخر في التكليف الإلهي علىالمسلم و الكافر كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ و هذا أمر واضح لا سترة فيه أصلافي نقل كلمات الأردبيلي و صاحب المدارك في مسألة العلم قوله قدس سره و قد خالف فيما ذكرنا صاحب المدارك تبعا لشيخه المحقق الأردبيلي(٣)أقول و قد مال إلى القول بكون العلم واجبا نفسيّا بعض الميل المحقق المحشي في بحث مقدمة الواجب و لكن لم يعلم من كلامهم معذوريّة الجاهل البسيط في مخالفة الواقع علىما هو المقصود بالبحث في المقام فإن الجاهل المركّب و الغافل لا يتصوّر في حقه الرجوع إلى البراءة فالبحث معهم في مسألة أخرى كما أن بحثهم في وجوب تحصيلالعلم بحكم اللّه تعالى و أمّا تحصيل العلم بإتيان المأمور به في الخارج بعد العلم به فهو خارج عن محل كلامهم فإن كون وجوبه إرشاديّا صرفا و عقليّا محضاو كذا حال مقدّمته ليس محلاّ لإنكار أحد فهنا مسائل فالتكلم في المسألة الثانية إنما هو من جهة جر الكلام إليها هذا و لكن يمكن تعميم البحث بالنسبة إليهابأن يقال إن الجاهل البسيط غير معذور في مخالفة الواقع قبل الفحص و إن عرض له الغفلة بعد الشكّ و دعوى تعميم كلامهم للشاكّ من جهة إطلاق السّهوو الغفلة في جملة من الأخبار و كلماتهم في باب الشكّ في الصلاة على الشكّ كما في قوله ألا أجمع لك السهو كله في كلمتين متى شككت فابن علي الأكثربعيدة جدّا بل فاسدة جزما لإباء التعليل المذكور في كلماتهم عن الحمل المذكور لأن تكليف الشاك بالواقع ليس تكليفا بما لا يطاق فالأولى نقل كلامهم حتىيتضح حقيقة مرامهم قال في المدارك في مسألة الإخلال بإزالة النجاسة في الصلاة ذاكرا لها ما هذا لفظه إن إطلاق كلام الأصحاب يقتضي أنه لا فرق فيالعالم بالنجاسة بين أن يكون عالما بالحكم الشرعي أو جاهلا بل صرّح العلامة و غيره بأن جاهل الحكم عامد لأن العلم ليس شرطا في التكليف و هو مشكللقبح تكليف الغافل و الحق أنهم إن أرادوا بكون الجاهل كالعامد أنه مثله في وجوب الإعادة في الوقت مع الإخلال بالإعادة فهو حق لعدم حصول الامتثالالمقتضي لبقاء التكليف تحت العهدة و إن أرادوا أنه كالعامد في وجوب القضاء فهو على إطلاقه مشكل لأن القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليلفإن ثبت مطلقا أو في بعض الموارد ثبت الوجوب و إلاّ فلا و إن أرادوا أنه كالعامد في استحقاق العقاب فمشكل لأن تكليف الجاهل بما هو جاهل به تكليف بمالا يطاق نعم هو مكلّف بالبحث و النظر إذا علم وجوبهما بالعقل و الشرع فيأثم بتركهما لا بترك ذلك المجهول كما هو واضح انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى وعرفت آب عن الحمل على المعنى الشامل للجهل البسيط لأن تكليف الجاهل البسيط بما هو جاهل به ليس تكليفا بما لا يطاق حتى لو أريد منه التكليفبامتثاله فإن الأمر بعنوان الاحتياط و لو ندبا متعلّق بالشاك إجماعا مع أنه لا فرق في امتناع التكليف بما لا يطاق بين التكليف الوجوبي و الندبي بلالتحقيق كما برهن عليه في محلّه مع وضوحه امتناع تعلّق الإباحة بغير المقدور نعم امتثال التكليف من الغافل به محالكان ذات الفعل مقدورا و إن لم يكن الاستحالة المذكورة مفيدة في المقام نعم يمكن القول بشمول كلامه للمقام مع الالتزام بخطائه في الاستدلال و إن هو إلانظير استدلال السيد أبو المكارم على البراءة في الشبهة الحكميّة بأن التكليف مع الجهل تكليف بما لا يطاق و قد تقدّم مع توجيهه و تضعيفه في كلماتنا السابقةو أما كلام المحقق الورع الأردبيلي قدس سره في تلك المسألة فليس له صراحة فيما نسبه شيخنا قدس سره إليه فلعلّه أخذه من موضع آخر قال في شرح الإرشاد في