بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦٢
أقول هذا الحديث المتواتر إلى آخره أقول أراد بذلك الإشارة إلى أنه فرض
قيام الدليل على البراءة في الشبهة الحكميّة كان مقتضاه كونها الأصل
الأوّليفي الأشياء فلا ينافي الخروج عنها من جهة قيام الدليل على وجوب
الاحتياط في مطلق الشبهة الشامل للمقام و في المقام قد ورد بطريق التواترو
غيره ما يقتضي وجوب الاحتياط أيضا فيلزم الخروج بهما عن مقتضى الأصل
الأوّلي و لكنك قد عرفت عند التكلّم في الأخبار ما في هذا الكلامفراجع قوله
قدس سره و الأقوى فيه جريان أصالة البراءة إلى آخره(١)
أقول
استظهار كون المسألة خلافيّة مع الاستدلال لها بالأدّلة الأربعةالتي منها
الإجماع لعلّه من جهة عدم الاعتناء بالخلاف و عدم قدحه سيّما مع دعوى
المخالف في موضع آخر نفي الخلاف عن الرجوع إلى البراءة فيالمقام على ما
عرفت و تمسّك مثل الشيخ و السيّد قدّس سرهما بالاحتياط أحيانا في الشبهة
الوجوبيّة مع وضوح مذهبهما من تصريحاتهم في مواضع أخرلا بدّ أن يحمل على
مجرّد التأييد للدليل على الاستدلال بها و يدلّ على الحكم في خصوص المقام
مرسلة الفقيه كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي أو أمرعلى بعض طرقها و أمّا
الإجماع المركب الذي استند إليه فلا إشكال في تحقّقه في المقام فإن كل من
قال بالبراءة في الشبهة الحكمية التحريميّة قال بالبراءةفي المقام و إن لم
يكن الأمر كذلك من طرف العكس لما عرفت الإشارة إليه فإثبات البراءة في تلك
المسألة يغني عن التكلم في المقام قوله
قدس سره و الظاهرترتّب الثواب عليه إلى آخره(٢)
أقول
قد عرفت الإشكال في الفرق بين الاحتياط و التجرّي على المعصية في حكم
العقل و العقلاء بدعوى كون المدح في الأوّلراجعا إلى الفعل و الذم في
الثاني راجعا إلى الفاعل في بيان أنّ التّقرب في العبادة يتوقّف على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا و مع انتفائه لا يكون الاحتياط مشروعا مع ما يتعلق به
قوله
قدس سره و في جريان ذلك في العبادات إلى آخره(٣)
أقول
المشهور بين من تعرّض للمسألة هو الوجهالثاني و حكي عن بعض الأوّل و
استند للمنع بما أفاده شيخنا قدس سره في وجهه من اعتبار قصد القربة في
العبادات اتفاقا و هو يتوقف على العلم بالأمرتفصيلا أو إجمالا و المفروض
انتفاؤه فلا يكون الاحتياط مشروعا من حيث توقّفه موضوعا على إتيان الواقع
على تقدير ثبوته بجميع ما يعتبر فيه شرطاأو شطرا و المفروض عدم إمكانه في
المقام و القول بأن الأمر المتوقّف عليه قصد التقرّب لا يلزم أن يكون
واقعيّا بل يكفي العلم بالأمر الظاهريّ الشرعيو من هنا يقصد التقرّب بما
يكون واجبا في مرحلة الظاهر من جهة قيام الطريق الشرعي عليه اجتهادا أو
تقليدا كما لا يلزم أن يكون أمرا وجوبيّا و الفعلالمأتي به بعنوان
الاحتياط متعلّق بالأمر الندبي الظاهري الشرعي بعد فرض استقلال العقل بحسنه
و رجحانه بملاحظة كشفه عن الأمر الشرعي بقاعدةالتطابق و التلازم أو من جهة
الأوامر الشرعيّة المتعلّقة به المحمولة على الاستحباب بعد الصّرف عن
الوجوب و لو فرض كون حسنه العقلي فاعليّا لايوجب رجحان الفعل و المدح عليه
عقلا فاسد جدّا من جهة أن الأمر المستكشف من قاعدة التلازم في المقام
كالأوامر المتعلّقة بعنوان الاحتياطفي الشرعيّات لا يكون أمرا مولويّا بل
إرشاديا محضا فلا يوجب موافقته تقرّبا نظير الأوامر المتعلقة بعنوان
الإطاعة فإن إطاعتها لا يوجب تقرّباو لا يترتب عليها الأجر و الثواب بل حسن
الاحتياط عند التحقيق من جهة كونه نحوا من الانقياد و الإطاعة و من
مراتبها فكما أن الأمر بالإطاعة لايصلح لجعل المأمور به عبادة بالمعنى
الأخصّ من حيث انطباق الإطاعة عليه و إلاّ كان كل واجب واجبا عباديّا فكذلك
الفعل المنطبق عليه الاحتياطلا يمكن أن يصير عبادة من جهة قصد التقرّب
بإطاعة الأمر المتعلّق بعنوان الاحتياط و هذا هو المراد بقوله قدس سره كما
أن إطاعة الأوامر المتحقّقة لم تصرعبادة و إن كانت العبارة لا يخلو عن شيء
هذا و
استدل للجواز تارة بمنع توقف قصد التقرّب مطلقا على العلم بالأمر الشرعي
المولوي بأحد الوجهينبل يكفي فيه احتماله بمعنى أنه يلزم أن يجعل الداعي
في العبادات المحققة امتثال الأمر اليقيني المتعلّق بها و في العبادات
المحتملة امتثال الأمر الاحتماليالمتعلّق بها كلّ على حسبه بل التحقيق على
ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأول عند الكلام في الظن أن الذي يقصد
التقرّب بامتثاله فيما أدّىالطرق الشرعيّة إليه من العبادات هو الأمر
الواقعي الذي يحكي عنه الطرق لا أوامر الطرق حيث إنها غيرية محضة لا يوجب
إطاعتها قربا أصلا و أخرى
بمنع توقف العبادة و قصد التقرّب على جعل الدّاعي امتثال الأمر المتعلّق
بها و لو احتمالا بل يكفي رجحانها و حسنها العقلي و إن لميتعلّق بها أمر
شرعي أصلا ألا ترى أنه يصح الإتيان بالوضوء بعد دخول الوقت بداعي الغايات
المستحبّة مع استحالة تعلّق الأمر الندبي بهلأجلها من حيث تعلّق الأمر
الوجوبي به المانع من تعلّق الأمر الندبي و من هنا قال ثاني الشهيدين قدس
سرهما في الروضة و غيره في غيرها إنّ الوضوءقبل الوقت لا يكون إلاّ مستحبّا
و بعد الوقت لا يكون إلاّ واجبا نظرا إلى أن تعدّد غاياته لا يوجب
الاختلاف فيه و تعدّد عنوانه و هذا بخلافالغسل و لذا قيل بتداخل الأغسال
من حيث المسبّبات و لم نقل بذلك في الوضوء و إنما التداخل فيه من حيث
الأسباب بل التحقيق كون الوجهفي عباديّته رجحانه النفسي و إلاّ فالأمر
المتعلّق به سواء فرض كونه وجوبيّا أو ندبيّا ليس إلاّ غيريّا لا يصلح
لجعله عبادة فليس المصحّح لكونه عبادة إلاّرجحانه النفسي الذي لا يوجب
تعلّق الأمر النفسي به دائما من جهة قضاء الضرورة بتضادّ الوجوب و
الاستحباب و لو كان أحدهما نفسيّا و الآخرغيريّا بل التحقيق استحالة اجتماع
الاستحباب النفسي و الغيري أيضا كما حققناه في محلّه و إن زعم بعض
المحقّقين ممن قارب عصرنا خلاف ذلكو أن الاختلاف بالنفسيّة و الغيرية يوجب
رفع التضادّ بين الأحكام مطلقا حتى إذا كان أحدهما أمرا و الآخر نهيا فأيّ
مانع من أن يجعل المقرّب نفس عنوان