بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٨
في مورد احتماله و لو من جهة دليل البراءة رافعا لموضوعه هذا و لكنّ
الإنصاف فساد المناقشة المذكورة أمّا أوّلا فلأنّ حكم العقل بلزوم دفع
الضررالمشكوك و إن لم يكن من حيث كون الشكّ طريقا إلى الضرر من حيث عدم
إمكان طريقيّة إلا أنه ليس حكما نفسيّا واقعيّا و إنما هو طلب غيريّ
إرشاديلرعاية عدم الوقوع في الضرر الواقعي كما يحكم به بهذا العنوان في
الضرر المحتمل الأخروي أيضا فإذا كان هناك ما يقتضي ترخيص الشارع في محتمل
التحريمفلا يمنعه حكم العقل المذكور من حيث كونه كاشفا قطعيّا عن تدارك
الضرر الواقعي على تقدير مصادفته فيرفع القيد المأخوذ في موضوع حكمالعقل و
المفروض عدم إيجابه العلم بالحكم الواقعي و لو في مرحلة الظاهر حتى يرفع
موضوع أدلّة البراءة فيكون أدلّة البراءة واردة على الحكم المذكوركما تكون
واردة على حكم العقل بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي حرفا بحرف غاية ما
هناك أنها ترفع أصل الضرر بالنسبة إلى الضرر الأخروي وترفع قيده بالنسبة
إلى الضرر الدنيوي و هذا لا يجدي فرقا بعد فرض عدم حصول العلم بالحكم
الواقعي من حكم العقل بوجوب دفع الضرر من حيثكونه تعليقيّا و توهّم عكس ما
ذكر و ورود قاعدة وجوب الدفع على دليل البراءة جار في الموضعين كما أن
دفعه بلزوم الدور من ورود القاعدةعلى دليل البراءة متوجّه فيهما حيث إن
ورود القاعدة عليه أو تحكيمها عليه يتوقف على عدم ثبوت الترخيص و التدارك
من الشارع في مورد الاحتمالو لو في مرحلة الظاهر و المفروض ثبوته فإن شئت
قلت إن الحكم المأخوذ في وجود موضوعه عدم شيء لا يمكن أن يكون مانعا عن
وجوده و إلا لزمالدور و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و أمّا ثانيا
فلأنه بعد الإغماض عن كون حكم العقل في المقام غيريا إرشاديّا و تسليم
كونه نفسيّا شرعيّايعاقب على مخالفته لا يجدي في التحكيم أو الورود على
دليل البراءة بل الأمر بالعكس نظرا إلى كونه ثابتا في موضوع احتمال التحريم
الواقعي الذي لميثبت الترخيص فيه من الشارع و لو في مرحلة الظاهر فإن
ثبوت الترخيص من حيث كونه كاشفا عن التّدارك رافع لقيد موضوع حكم العقل
فلايمكن إطلاقه بالنسبة إليه فإذا فرض قوله عليه السلام كل شيء لك حلال
حتى تعلم أنّه حرام الترخيص و الإذن في محتمل التحريم إذ المفروض عدم
الدليل على ثبوتالحرمة الواقعيّة و لو في مرحلة الظاهر و إن كان هناك حرمة
نفسيّة واقعيّة مترتّبة على نفس الشك في الضرر فلا محالة يكون كاشفا عن
تدارك الضرر علىتقدير ثبوته فيكون رافعا لقيد الموضوع في الحكم العقلي و
لو فرض كونه واقعيّا و من هنا ذكر شيخنا قدس سره في بعض كلماته السابقة أن
قاعدة وجوبالدفع لو تمت عوقب على مخالفتها لا على الواقع المحتمل فما لم
يوجد هناك طريق معتبر إلى الضرر و لو كان هو الظنّ به كما ثبت اعتباره فيما
لو تعلّق بالضررابتداء في الشبهات الموضوعيّة للضرر حكم بالإباحة
الظاهريّة من جهة أدلّتها و لا ينافي القول المذكور أصلا كما أنه إذا كان
هناك طريق معتبر إليهحكم بالحرمة الشرعيّة الظاهريّة و هذا ملخّص ما تقدّم
في ردّ الاستدلال على حجيّة مطلق الظنّ في الأحكام الشرعيّة من حيث إن
الظنّ بالحكم الإلزاميظن بالضرر و دفعه لازم في حكم العقل و هذا الكلام و
إن لم يكن محرّرا في الضرر المشكوك إلا أن طريق الرد واحد فإن قلت
إذا فرض تسليمحكم العقل بوجوب دفع الضرر المشكوك الدنيوي بالوجوب النفسي
المترتّب على مخالفته استحقاق العقوبة و المؤاخذة من حيث كشفه عن
الوجوبالشرعيّ المولوي فكيف يمكن الالتزام بترخيص الشارع لها في مرحلة
الظاهر الكاشف عن تدارك الضرر حيث إنّه يئول إلى الإذن في مخالفة الخطاب
الإلزاميفإن المفروض اجتماع متعلّق الخطاب الإلزامي و الترخيص الشرعي فلا
بد من تنزيل الترخيص على غير مورد حكم العقل في باب الضرر قلت
ما ذكر يرجعإلى إعادة الإشكال بعبارة أخرى حقيقة و قد عرفت دفعه بأن
تطبيق الموضوع الكليّ الذي يحكم به العقل المستقل على الشبهة
الموضوعيّةالتحريميّة يتوقّف على منع جريان دليل الإباحة الشرعيّة الرافع
لما هو المأخوذ قيدا في الموضوع العقلي فيها فلو استند المنع إلى نفس
حكمالعقل فيلزمه الدور الباطل فإن شئت قلت إن ترتيب القياس في المقام
يتوقّف على إحراز صغرى الضرر المشكوك الغير المتدارك و هو يتوقفعلى منع
جريان دليل الإباحة فلو استند منعه إلى نفس الكبرى المتوقّفة على الصغرى
فيلزمه ما ذكرنا من توقّف الشيء على نفسه فلا يكون هناكاجتماع بين
الحكمين أصلا بل الحكم الشرعي بالحلّيّة رافع لموضوع الحكم العقلي فافهم
هذا كلّه مضافا إلى لزومه لغويّة دليل الإباحة الشاملللمقام يقينيا بحيث
لا يحتمل خروجه عنه نظرا إلى كونه موردا لبعض أخبار الحلّيّة و هذا بخلاف
حمل القاعدة على غير المقام ممّا فرض فيه وجود العلمالإجمالي بالحرمة في
الشبهة المحصورة فإنه لا يلزم طرح القاعدة رأسا هذا كله مضافا إلى أن
الحقيق بالمقام هو الوجه الأول و أن ما ذكر ثانيافإنما هو بناء على الإغماض
و التسليم فإن إثبات كون حكم العقل في باب دفع الضرر المشكوك من حيث هو لا
من جهة مراعات عدم الوقوع فيالمضرّة الواقعيّة المحتملة دونه خرط القتاد تنبيهات المسألة
الأول في تشخيص محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة و في أن كلّ أصل حكمي مشروط بعدم أصل موضوعي حاكم عليه
قوله
قدس سره الأوّل أن محل الكلام في الشبهة إلى آخره(١)
أقول
ما أفاده مضافا إلى ما تقدّم الإشارةإليه في مطاوي الكلمات مرارا لا إشكال
فيه أصلا و لا يختصّ بأصالة الإباحة لأن كلّ أصل حكميّ مشروط بعدم أصل
موضوعيّ حاكم عليهسواء كانا متعارضين متنافيين بحسب المفاد أم كانا
متعاضدين فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبيّة لا يجري أصالة
الإباحة فيها منجهة حكومة أصالة عدم حدوث علاقة الزوجيّة بينهما و أصالة
عدم وقوع النكاح عليها على أصالة الحلّيّة بل لو أغمض النظر عنها لم يجز
الرجوع