بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٧
الأشياء الغير الضروريّة المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة
قبل الاطلاع على حكم الشارع بعد الفحص في مظان وجود الدّليلعلى الحرمة
فذهب غير واحد إلى أنّها على الإباحة في حكم العقل و بعضهم إلى أنها على
الخطر في حكمه و آخر إلى أنها على الوقف كالمفيد و الشيخبمعنى أنه لا حكم
للعقل بشيء من الخطر و الإباحة و هذا العنوان كما ترى إنما هو بالنظر إلى
حكم العقل فلا ينافي الإباحة بالنظر إلى الشرع بلالتحقيق عدم منافات القول
بالإباحة بالنظر إلى الشرع مع الالتزام بالحظر من جهة العقل بناء على كونه
ظاهريّا مبنيّا على وجوب دفع الضرر المحتمل لا واقعيّاو بالجملة لا إشكال
في شهادة التتبع في كلماتهم على أنّ الحكم عندهم فيما احتمل حرمته الإباحة
ظاهرا و لو من جهة الاستناد إلى أخبارها و إنكانوا يذكرون الاحتياط في
مقام الاستدلال تأييدا في مطلق الشبهة الحكمية و من هنا نسب إليهم القول
بالاحتياط من فتور تأمل في باقي كلماتهم و من هنا احتمل كون نسبة المحقق
القول بالاحتياط إلى جماعة مبنيّا على ماذكر حيث قال في المعارج ما هذا
لفظه المحكي العمل بالاحتياط غير لازم و صار آخرون إلى وجوبه و قال آخرون
مع اشتغال الذمة يكون العملبالاحتياط واجب أو مع عدمه لا يجب انتهى كلامه
رفع مقامه و هو كما ترى لا يجامع بظاهره ما حكي عنه في المسائل المصريّة من
تقريره تعليل السيّددعواه الإجماع على جواز إزالة النجاسة بالمائعات مع
عدم ورود نصّ به بأن من أصلنا العمل بالأصل حتى يثبت الناقل و لم يرد منع
عن استعمالالمائع في إزالة النجاسة فإنه حكى هذا الكلام عن السيّد و لم
يناقش في دعواه الإجماع العمل بالأصل حتى يثبت خلافه في الشرعيّات و إن
لميكن المورد بزعمنا من موارد الرجوع إلى أصالة البراءة و الإباحة بل
يتعيّن الحكم بعدم كفايته في التطهير بالنظر إلى استصحاب النجاسة وقاعدة
الاشتغال على تقدير عدم اعتبار الاستصحاب إلا أن الغرض التنبيه على دعواه
الإجماع على الأصل و تقرير المحقق له في ذلكو بالجملة لا ينبغي الإشكال في
إجماع المجتهدين على كون الحكم الظاهري في الشبهة التحريميّة جواز الفعل
من غير فرق بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة و عدم وجوب الاحتياط فيهما قوله
قدس سره الثالث الإجماع الكاشف عن رضاء المعصوم إلى آخره(١)
أقول
قد يناقش في جوازالتمسّك بالسّيرة في المقام من حيث عدم العلم بتحقّقها من
المتديّنين مضافا إلى عدم العلم بتحقّق شرائط كشفها عن تقرير المعصوم عليه
السلام كيفو يكفي في الردع أخبار التوقف و الاحتياط فلا يتم الاستناد
إليها إلا بعد منع دلالتها و لا خلاف في البراءة على التقدير المذكور و
أمّاالقول بأن بناء الشرع على تبليغ المحرّمات دون المباحات و ليس ذلك إلاّ
من جهة عدم حاجة الإباحة إلى البيان و كفاية عدم العلم بالتحريمفي الحكم
بالرخصة سيّما بملاحظة ما روي عنه صلى اللَّه عليه و آله في حجّة الوداع
فهو كما ترى إذ يتوجّه عليه مضافا إلى أن بناء الشرع على تبليغ جميع
الأحكاممن غير فرق بين التحريم و الإباحة أنّ ذلك إنما يفيد فيما لو كان
عدم العلم بالتحريم دليلا على الإباحة الواقعية لا على الإباحة العقلية
الظاهريّةفتدبّر و أمّا ما أفاده المحقق قدس سره في بيان اتفاق أهل الشرائع
على عدم تخطئة من بادر إلى تناول المشتبهات بل المحرّمات عن جهلفلم يعلم
له معنى محصّل إذ مبادرتهم إلى تناول المحرّمات من دون فحص غير مجوّزة
بالاتفاق فكيف يكفّون عن نهيهم عنه مع عدم جوازه فيحقهم حتى على القول
بالبراءة إلاّ إذا فرض غفلتهم عن إلزام العقل بوجوب الفحص بحيث يرتفع عنهم
التقصير إذا لم نقل بوجوب تنبيههم علىذلك و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره
في ردّه فيراد به أن تقرير أهل الشرائع إنما هو من جهة ما ارتكز في عقولهم
مع عدم حكم الشارع بوجوبالاحتياط فلا يثبت بذلك إلا الأصل في المسألة فلا
يكون الاتفاق المذكور من أدلّة المسألة بل هو نظير حكم العقل الآتي فتدبر في حكم العقل بأن العقاب من دون بيان قبيح و بأن دفع الضرر المحتمل الأخروي واجب
قوله
الرابع من الأدلة حكم العقل بقبح العقاب على شيء إلى آخره(٢)
أقول
لا إشكال في استقلال العقل في ذلك و حكمه حكما ضروريّا بقبح مؤاخذةالمولى
عبده على مخالفة ما يريده منه سواء لم يبيّنه له أصلا لمصلحة أو لا لها أو
بيّنه و لم يطّلع عليه بعد الفحص عنه بقدر وسعه كما فيالشبهات الحكميّة أو
مطلقا كما في الشبهات الموضوعيّة و إن كان الأمر أوضح فيما لم يبيّنه له
أصلا كما لا يخفى و إن كان بحسب مناط التقبيح متّحداحكما مع ما لو فرض فيه
عدم وصول البيان الصادر إلى العبيد و من هنا يستشهد لحكم المقام بحكم
العقلاء كافة بقبح المؤاخذة في الصّورةالأولى ثمّ
إنه كما لا إشكال في حكم العقل بما عرفت كذلك لا إشكال في حكمه بوجوب دفع
الضرر المحتمل الأخروي و هو العقاب و هو المناطفي حكمه في موارد كثيرة مثل
النظر في معجزة من يدّعي النبوة و الفحص عن الحكم في موارد احتمال وجوده في
الشبهات الحكمية و وجوب الاحتياطفي صور الشك في المكلف به في موارد اشتباه
الحكم أو الموضوع كما في الشبهة المحصورة إلى غير ذلك إنما الكلام في
صلاحيته بيانا للتكليفالمحتمل في محل البحث فيكون واردا على قاعدة القبح
بتوهم أن البيان الصالح للعقاب الرافع لموضوع حكم العقل المذكور أعمّ من
الواقعي والظاهري و من الشرعي و العقلي و من هنا اتفقوا على صحة عقاب
الكافر بل مطلق الجاهل مع التقصير و ليس ذلك إلاّ من جهة صلاحية حكمالعقل
المذكور لرفع العذر و قطعه فإذا سلم حكم العقل بذلك فيكون مصحّحا للعقاب
على الواقع المحتمل فيكون بيانا له و رافعا لموضوعحكم العقل في قاعدة قبح
العقاب من غير بيان و من هنا قد يناقش فيما أفاده قدس سرّه في الكتاب بقوله
و دعوى أن حكم العقل بوجوب