بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٦٩
لا لتلك المفاهيم المنتزعة عنها بالاعتبارات المختلفة بل التحقيق عدم إمكان
وضع اللفظ لها لتأخّرها عن الوضع بمرتبة أو بمرتبتين أو بمراتب فكيف
يمكنمع ذلك وضع اللفظ لها فإن اتصاف المعنى الذي وضع له اللفظ بالموضوع له
بعد الوضع و بالمستعمل فيه بعد الوضع و الاستعمال و بالمراد و المقصودبعد
الوضع و الاستعمال و الإرادة و هكذا فإذا يستحيل تعلّق التكليف المستفاد من
اللفظ بتلك المفاهيم المتأخرة عن الوضع كما أنه يمتنع وضع اللفظ
لهافالموضوع له الذي تعلّق به التكليف هو معروض تلك المفاهيم المنتزعة
بالاعتبارات المختلفة و مصداقها المردد بين الأقل و الأكثر فالاشتباه من
المتوهم فيالمقام من اشتباه العارض بالمعروض نفس متعلّق التكليف مردّد بين
الأمرين لا مصداقه فإذا بطل توهّم الفرق بين المسألتين و قد وقع هذا الخلط
و الاشتباهفي مواضع منها
ما وقع في مسألة الصحيح و الأعمّ على القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح أو
استعماله فيه مجازا فتوهّم أنّ الموضوع له الذي تعلّق به التكليفأمر
مبيّن مفهوما حيث إن اللفظ وضع للصحيح و هو المركّب التامّ الجامع لجميع
الأجزاء و الشرائط فهو مبيّن مفهوما و إن تردّد مصداقه بين الأقل و الأكثر و
لذافرّعوا على القول بوضع الألفاظ للصحيح تعيّن الرجوع إلى أصالة الاشتغال
في ماهيّات العبادات المردّدة و عدم جواز الرجوع إلى أصالة البراءة بل
جعلوه ثمرةللمسألة و فساد هذا التوهّم يظهر بأدنى التفات لأن لفظ العبادة
لم يوضع لمفهوم الصحيح بل لمصداقه كيف و لو كان كذلك كان لفظ الصلاة و
الصحيح مترادفين بل كان لجميعالعبادات حقيقة واحدة و هو مفهوم الصحيح و هو
كما ترى فنفس متعلّق التكليف على هذا القول مردّد بين الأقلّ و الأكثر لا
مصداقه و أما الثمرة الّتي فرّعوهاعلى القول بوضع الألفاظ للصحيح من وجوب
الاحتياط في ماهيّات العبادات فإن أراد المتوهّم المستشهد بتفريع تلك
المسألة تفريعها من الكلّ حتى من القائلين بالبراءةعند دوران الأمر بين
الأقل و الأكثر في ماهيّات العبادات فهو في محلّ المنع كما لا يخفى على
المتتبع و إن أراد التفريع من القائلين بالاشتغال في تلك المسألة فهو لا
يدلّعلى كون الموضوع له مفهوما مبيّنا دار الأمر في مصداقه بين الأقل و
الأكثر كما هو ظاهر و الحاصل أنا لم نجد في كلام الكلّ بل و لا الأكثرين
تفريع الثمرة المذكورة و إنّماذكره غير واحد ممّن تأخّر تبعا لما أفاده
الفريد البهبهاني قدس سره في فوائده و ردّه جماعة من المتأخرين حتى بعض
تلامذته مثل المحقق القمّي قدس سره في القوانين و منعوا منلزوم الاحتياط
على القول بالوضع للصحيح و قد وجّه شيخنا الأستاذ العلاّمة ما أفاده الفريد
البهبهاني قدس سره في المقام بأن غرضه ليس بيان الثمرة للمسألة و أنّ كلّ
منقال بالوضع للصحيح يقول بالاشتغال أو يلزمه القول به بل بيان الثمرة على
ما اختاره من الرجوع إلى الاحتياط في ماهيّات العبادات المردّدة بل ربما
يتطرّق هذاالتوجيه في كلام من تبعه في ذكر الثمرة المذكورة للمسألة كيف و
المشهور مع قولهم بالوضع للصحيح قد ملئوا طواميرهم من إجراء أصالة البراءة
عند الشكّ في الجزئيّة والشرطيّة و لا يظن اشتباه مثل هذا الأمر الواضح
المبيّن على مثل هؤلاء الأعلام فغرضه أن القول بالصحيح ينفع الاشتغاليين لا
أن كل من قال بالصحيح يلزمه القول بالاشتغالفضلا عن أن يقول به هذا و
لكنك خبير بأن هذا التوجيه و إن كان حسنا ينبغي إرادته إلا أن كلامهم يأبى
عن إرادته سيّما بملاحظة ما ذكروه من أن لازم القول بالأعمّ عدموجوب
الاحتياط بل في كلام بعضهم أن لازمه الرجوع إلى البراءة فراجع إلى كلماتهم في فساد ما ذكروه من ترتّب الثمرة المذكورة على القولين
قوله
قدس سره و التحقيق أن ما ذكروه ثمرة للقولين إلخ(١)
أقول
لا خفاء فيماأفاده من عدم ترتب الثمرة المذكورة على القولين و فساده أمّا
عدم تعيّن الرجوع إلى أصالة الاشتغال في ماهيّات العبادات المردّدة بين
الأقلّ و الأكثر على القولبالوضع للصحيح فقد اتضح أمره مما فصّلنا لك
القول فيه من أن ما يلزم هذا القول الراجع إلى مدخليّة كل ما يعتبر في
مهيّة المأمور به في أصل الوضع و الصدق إجمالاللفظ عند الشكّ في مدخليّة
شيء للمأمور به ليس إلاّ و أمّا حكمه فهو مبنيّ على حكم المجمل في المقام
على الوجه الكلّي من الرجوع إلى البراءة كما عرفت أنه المختار الذيعليه
الأكثرون أو الاشتغال على ما عليه جماعة و أما عدم لزوم الاحتياط على القول
بالأعمّ سواء قيل بأن لازمه الرجوع إلى البراءة و كونها الأصل فيالمسألة
كما زعمه غير واحد في بيان الثمرة على ما في الفصول و غيره قال في الأول
ذكر جماعة أن فائدة النزاع يظهر في إجراء أصل البراءة عند الشكّ في
جزئيّةشيء أو شرطيّته للعبادة و الشكّ في المانعيّة راجع إلى الشكّ في
الشرطيّة من حيث أن عدم المانع شرط بالمعنى الأعمّ فإنه على القول بأنّها
موضوعة للمعنىالأعمّ يمكن إجراء الأصل المذكور في نفيها بعد تحصيل ما يصدق
عليه الاسم لأن الأمر حينئذ إنما تعلّق بالمفهوم العام و قضيّة الأصل
إجزاء كلّ ما يصدق عليه ذلكالمفهوم ما لم يثبت اعتبار أمر زائد عليه شطرا
أو شرطا و أمّا على القول بأنّها موضوعة بإزاء الصحيحة فلا يمكن نفي ما شكّ
فيه بالأصل المذكور إلى آخر ما ذكرهفي المقام أو قيل بأن لازمه الرجوع
إلى أصالة الإطلاق عند الشكّ كما عن آخرين و هو المستفاد مما أفاده شيخنا
في المقام في بيان ما زعموه فلأن غاية ما يلزم علىهذا القول تحقّق الصدق
بالنسبة إلى غير معظم الأجزاء و ما به قوام الماهيّة و مجرّد تحقّق الاسم و
الصدق لا يلزم شيئا من الأمرين لأنه مع القطع بالصدق إذا شكّفي جزئيّة
شيء و دخله في المراد و المطلوب لعدم التنافي بين الصدق و تقييد المراد و
لم يتحقّق هناك ما يعتبر في التمسك بالإطلاق لا يلزم الرجوع إلى البراءة
كماأنه لا معنى للتمسّك بالإطلاق بل يلزم الرجوع إلى أصالة الاشتغال على
القول بها في دوران الأمر في ماهيّات العبادة بين الأقل و الأكثر توضيح
ما ذكرنا أنّاقد أسمعناك سابقا أن ألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ
كالألفاظ العرفيّة الموضوعة عند العرف للمركبات و من هنا قالوا إن الوضع
عرفي و إن كانالمسمّى شرعيّا و من البيّن أنه لا يمكن اعتبار الإطلاق في
الألفاظ الموضوعة للمركّبات الاعتباريّة و الخارجيّة بالنسبة إلى جميع
الأجزاء و الشرائط بحيث يكونصدق الماهيّة المركّبة على وجه اللابشرط
بالنسبة إلى كل جزء من الأجزاء على وجه لا يكون شيء منها مقوّما للصدق و
داخلا في تحقّق الحقيقة و المعنى الموضوع له و