بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٦٠
بتوهّم أن مقتضاه الاحتياط بإحراز محتملات الواقع حتى يقطع بالعمل بما كان
مقتضى تكليفهم فإذا احتمل كون تكليفهم في المقام الأكثر فيجب الإتيانبه و
هكذا و لكنك خبير بفساده فإنه إذا احتمل كون تكليفهم بالأكثر من حيث بلوغ
الخطاب به إليهم و علمهم به لم ينفع هذا الاحتمال في الحكم بوجوب
الاحتياطعلينا مع جهلنا بذاك الخطاب نعم لو ثبت أنّ تكليف الحاضرين مع
الجهل بالمكلّف به و دورانه بين الأقل و الأكثر الاحتياط لزمه القول به
بالنسبة إليناأيضا و لكن نمنع من كون تكليف الحاضرين في هذا الموضوع
الاحتياط إذا تحقّق في حقّهم لعدم قيام دليل عليه من العقل و النقل بل
مقتضاهما في حقهم عدمتكليفهم به فدليل الاشتراك لنا لا علينا و إن كنا غير
محتاجين إلى إثبات ذلك فإن مجرّد احتمال كون تكليفهم مع جهلهم الاحتياط لا
ينفع في المقام بل لا بدّ منإثبات كون تكليفهم ذلك لأن التمسّك بالكبرى
مع الشكّ في الصغرى لا معنى له كما هو واضح و قد
يقال في منع جواز التمسّك بدليل الاشتراك فيالمقام بأن المسألة عقليّة لا
سبيل للاحتمال و الشكّ فيه أصلا حتى يتمسّك فيها بدليل الاشتراك و غيره
لأنه بعد ثبوت التكليف في الجملة إما أن يستقل العقلفي الحكم بوجوب
الاحتياط على ما يزعمه القائل بوجوبه في المقام أو يستقل بالبراءة فلا شكّ و
لا دوران في الحكم الظاهري أصلا هذا و فيه أن حكم العقل بالبراءةعلى سبيل
القطع لا ينافي ورود دليل من الشرع على وجوب الاحتياط فإنه وارد عليه و لا
يكون منافيا له كما أن حكمه بالاحتياط لا ينافي ورود دليل من الشرع
علىمقتضى البراءة بل عندنا الأمر كذلك على تقدير القول باقتضاء الشغل
اليقيني الاحتياط في المقام بالنظر إلى حكم العقل كما ستقف عليه و بالجملة
لا سبيل إلىالقول المذكور أصلا فإنه ناش عن قلّة التدبّر قوله
قدس سره و أمّا الرابع فلأن وجوب المقدّمة فرع وجوب ذي المقدّمة إلخ(١)
أقول
قد يتوجّه على ما أفادهبأن المقدّمة العلميّة مقدّمة للعلم لا للواقع
فجعل ذي المقدّمة في كلامه نفس الأمر المردّد لا العلم بحصوله محلّ نظر
فالأولى تبديل قوله و هو الأمر المردّد بقولهو هو تحصيل العلم بالأمر
الواقعي المردّد و هذا هو المراد قطع و إن كانت العبارة قاصرة عن الدلالة
عليه في ابتداء النظر قوله
قدس سره و أما الخامس فلأنه يكفيفي قصد القربة إلخ(٢)
أقول
قد يجاب عن الوجه المذكور مضافا إلى ما أفاده من عدم توقف قصد القربة
بالفعل على العلم بكونه مطلوبا نفسيّا و متعلّقاللأمر الأصلي لكفاية العلم
بمطلوبيّته في الجملة و إدّاء تركه إلى العقوبة و فعله إلى التخلّص عنها
بالفرض على القول بوجوب الاحتياط فإنه لا يعلم بكون الأكثر مطلوباأصلا
لأنفسنا و لا مقدّمة و امتثال الأمر الاحتياطي المتعلّق به لا يكون مقرّبا
قطعا لكونه إرشاديّا جزما مع أن الالتزام بكونه مقرّبا يوجب الالتزام
بكونامتثال الأمر المردّد المتعلّق بالأقلّ مقرّبا بل بطريق أولى فإنه إما
أمر نفسيّ أو غيريّ و على كلّ تقدير يعلم بكونه مطلوبا شرعا و هذا بخلاف
الأكثر فإنّ تعلّق الأمرالشرعي به احتمالي و الأمر المعلوم المتعلّق به
إرشاديّ صرف فلو قيل بكفايته كان الأمر المردّد المتعلّق بالأقلّ قطعا أولى
بالكفاية و لا يقاس المقام بالمتباينينحتى يقال بأنه يقصد التقرّب
بامتثال الأمر الشرعي النفسي المتعلق بأحد الفعلين يقينا اللّهمّ إلا أن
يقال بأنا نعلم أن فعل الأكثر مقرب قطعا و لو من جهة اشتماله علىالواجب
النفسي و لو لم يعلم بكونه مقرّبا بعنوانه و من حيث كونه أكثرا فالمحرّك
حقيقة بفعل الأكثر امتثال الأمر النفسي المتوجّه إلى المكلّف يقينا من
الشارع بلهو أولى بقصد التقرّب فيه من قصد التقرّب بالاحتياط و الجمع بين
المحتملين في المتباينين فإن شئت قلت حصول التقرّب بفعل الأكثر اتفاقي حتى
من القائل بالبراءةفإنه يجوّز الاحتياط قطعا بل نقول برجحانه هذا مع كفاية
الحسن العقلي الثابت للاحتياط في قصد التقرّب بفعل الأكثر بهذا العنوان و
إن كان الأمر المتعلّقبالاحتياط إرشاديّا صرفا و عقليّا محضا فتأمّل و
راجع ما قدّمناه لك في تحقيق هذا البحث في مطاوي كلماتنا السابقة قوله
قدس سره و الدليل العقلي علىالبراءة إلخ(٣)
أقول
قد عرفت أنه لا تأمّل في حكم العقل بالبراءة في المقام فهو مطابق للنقل من
حيث إن مجرّد العلم الإجمالي كيف ما كان و لو صار أحد طرفيهمعلوم
الالتزام تفصيلا لا يوجب تنجّز الخطاب بالنسبة إلى المجهول و إن المثال
أجنبيّ عن المقام و لا دخل له به أصلا و إن الحكم فيه وجوب الاحتياط عن غير
معلومالنجاسة من جهة تنجّز الخطاب بسبب العلم الإجمالي بوجود الخمر و حمل
المثال على ملاحظة النجاسة للخمر مع قطع النظر عن حرمته من حيث خمريّته
فالمقصودالتمثيل من الحيثيّة الأولى لا الثانية لا ينفع بعد عدم انفكاك
الثانية عن الأولى وجودا و إن كانتا مفترقين من حيث اللحاظ كما لا يخفى و
بالجملة المددعلى المتحيّث في المقام لا الحيثيّة كما هو ظاهر في وجه تأمّله في الدليل العقلي على البراءة
ثمّ
إن الوجه في تأمّل شيخنا العلاّمة قدس سره في حكم العقل بالبراءة على ما
يستفاد من قوله نعم لو ثبت أن ذلك إلخو صرّح به في مجلس البحث هو أن الوجه
في المصير إلى الاحتياط في المتباينين و البناء عليه إن كان تعارض الأصلين
في المشتبهين و تساقطهما و الرجوعإلى الاحتياط كما هو أحد الوجهين في
موارد الحكم بوجوب الاحتياط فلا تأمل في الحكم بالبراءة في المقام لما عرفت
من عدم جريان الأصل في الأقلّ بعد العلمبوجوبه حتّى يعارض الأصل في
الأكثر و إن كان الوجه فيه حصول الغاية الرافعة لموضوع البراءة بعد العلم
الإجمالي بالتكليف المنجزّ نظرا إلى تعميم البيان في حكمالعقل بالبراءة في
موضوع عدم البيان لما يشمل العلم الإجمالي كما هو الوجه و المختار في
موارد وجوب الاحتياط سواء كانت في الشبهة الموضوعيّة كما في الشبهةالمحصورة
أو الحكميّة كما في المتباينين كما عرفت تفصيل القول فيه في الشبهتين
فيمكن القول بالاحتياط في المقام نظرا إلى حصول العلم الإجمالي و كونه
مؤثّرا فيتنجيز الخطاب و وجوب الأخذ بمقتضاه في الجملة على ما عرفت في
مطاوي كلماتنا السّابقة من الفرق بين المقام و ما لا تأثير للعلم الإجمالي
فيه في تنجّز الخطاب منجهة كون أحد طرفيه معلوم الخطاب تفصيلا هذا و لكنّك
عرفت أيضا أن مطلق العلم الإجمالي المؤثر أيضا لا يمنع من الرجوع إلى
البراءة إلا إذا كان تأثيره في بعض الأطراف