رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٩ - فصل
ذلك هلاك حيوان البحر جملة واحدة. و لهذه العلّة أيضا شدّة أمواج البحار في أكثر الأوقات، يختلط أعلاها بأسفلها، و أسفلها بأعلاها، لئلا تغلظ بطول الوقوف غلظا شديدا، أو تجمد، فتكون أرضا كلها. و لهذه العلّة أيضا إشراق الشمس و الكواكب عليها، و تسخينها لها، و منعها من أن تغلظ و تجمد، و كذلك تفعل بالهواء و الجو أيضا، و ذلك أنه لو لا مطارح شعاعات الكواكب بالليل، لجمد الهواء في المواضع التي لا يطلع عليها الشمس و القمر زمانا كالتي تحت قطب الشمال و الجنوب جميعا. و أمّا عفوصة مياه بعض العيون فلأنها تجري إليها من مواضع تربها مياه زاجيّة[١]، و هكذا حكم ما كان طعمه كبريتيّا أو نفطيّا.
و اعلم أن في بعض المواضع يرى من بعيد، على رءوس الجبال و بطون الأودية، نيران و ضياء بالليل و النهار، و دخان معتكر ساطع في الهواء و مرتفع في الجو، و علّته أن في جوف الجبال كهوفا و مغارات و أهويّة حارّة ملتهبة تجري إليها مياه كبريتيّة أو نفطيّة دهنيّة، فتكون مادّة لها دائمة، و هي مثل التي بجزيرة صقلّية و بجبل مزمهر من خوزستان، و في بعض المواضع جبال تهبّ عليها رياح ليّنة دائما، و جبال تهبّ عليها رياح باردة في أوقات مختلفة، و هي الجبال التي تكون عليها الثلوج عند ذوبانها، و ذلك أنه يتحلّل من تلك الرطوبات أجزاء لطيفة تصير بخارا، و ترتفع في الهواء، فيدفعها إلى الجهات الخمس، أو إلى جهة دون جهة، مثل ما يهبّ من جبل الثلج الذي بدمشق، و الذي ببلاد داور من جبال غور، و جبل دوماند و ما شاكلها من الجبال.
فأما الجبال التي تهبّ منها رياح ليّنة في دائم الأوقات، فمثل التي ببلاد باميان، و ذلك أن هذا الجبل تخرج من أسفله عيون كثيرة، و حوله مروج
[١] -زاجية: نسبة إلى الزاج، و هو ملح معدنى.