رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٣ - فصل
الأرض فهي التي تحدث في كرة النسيم، فيضغطها السّحاب، و يردّها إلى أسفل، كنار البرق التي يضغطها السّحاب من فوق إلى أسفل.
و أما علّة استدارة تلك المادة فهي أن الأجسام السيّالة من شأنها أن تتشكّل، ما لم يمنعها مانع، أشكالا كرويّة، كما يستدير القطر في الهواء، لأن الشّكل الكرويّ أفضل الأشكال كما بيّنا في رسالة الهندسة.
و أما علّة حركتها إلى جهة دون جهة فبحسب الدافع لها من جهة المقابل، و ليست هي الريح، لأنها أسرع حركة من الريح، و قد بيّنا علّة حركتها في رسالة الحركات.
فانظر يا أخي و تفكّر في هذه الحكمة الإلهية و العناية الربانية كيف جعلت و رتّبت كرة الأثير دون فلك القمر، و جعلتها نارا بلا ضياء كيما تحترق بحرارتها الدّخانات الغليظة الصاعدة في الهواء، و تلطف البخارات العفنة الكثيفة، ليكون الجوّ أبدا صافيا شفّافا. و لم تجعل تلك النار مضيئة، لأنها لو كانت مضيئة كالنيران التي عندنا، لمنعت أبصار الحيوان عن رؤية عالم الأفلاك و الكواكب، و خاصّة الإنسان، لأنه لما منع الكون هناك لم يمنع الرؤية و النظر إليه، لكيما تشتاق النفوس إلى الصعود نحوها هناك، كما قال، جلّ ثناؤه: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» يعني به روح المؤمنين. و قال في منع روح الكافر: «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ.» و قد جعلت الحكمة الإلهية أيضا الزّمهرير حجابا بين كرة النسيم و بين كرة الأثير، لتمنع ببردها و هج الأثير عن الحيوان و النبات أن يتلفها، و لتبرّد البخار و تعقده غيوما ليكون أمطارا تحيا بها البلاد. و جعلت كرة النسيم معتدلة المزاج، و لمّا كان سببها انعكاس شعاعات الكواكب كما بيّنّا قبل، و أكثرها و أوكدها هي الشمس، جعلت تارة تغيب لبرد الجوّ، و تارة تطلع لسخن الهواء، و لو دامت بطلوعها، لدام الإسخان و لأفرط الحرّ، و كان ذلك فسادا كلّيّا. و كذلك