رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٨ - فصل في أنها ليست ثقيلة و لا خفيفة
و لا الماء فوقها بثقيل، و لا الهواء أيضا ثقيل فوق الماء، و لا النار فوق الهواء أيضا بثقيلة، لأنها في أماكنها الخاصّة بها، و إنما يعرض الثّقل و الخفّة لأجزائها إذا صارت في أماكن غريبة، و ذلك أن أجزاء الأرض في جوف الماء و الهواء غريبة، تريد اللّحاق بمركزها و جنسها، فإذا منعها مانع، وقع التنازع و التدافع، فيسمى ذلك ثقلا، و هكذا حكم الماء و أجزائه في جوف الهواء، و حكم أجزاء الهواء في الماء، و أجزاء النار في جوف الهواء.
و كلّ واحد يريد اللّحاق بعالمه و مركزه و أبناء جنسه، و لكن ما كان متوجّها نحو مركز العالم يسمّى ثقيلا، و ما كان متوجّها نحو المحيط يسمّى خفيفا. و الدليل على أن كلّ جسم في موضعه و مكانه الخاص به، لا خفيف و لا ثقيل، هو كون أجزائه في جوف كلّيته لا ثقيلة و لا خفيفة. و بيان ذلك بالتجربة و الاعتبار، و طريق تجربته أن تملأ قربتين إحداهما من الماء و الأخرى من الريح الذي هو الهواء، ثم تطرحهما في بركة ماء، فإنك ترى القربة التي هي مملوءة من الماء تغوص في جوف الماء، و التي فيها الريح تطفو فوق الماء. فإذا شيلت القربة التي هي مملوءة من الماء لا يوجد لها ثقل ما دامت في الماء، لأن الماء في الماء ليس بثقيل؛ و إذا صارت إلى فوق الماء أحسّ بثقلها. و أما القربة التي هي مملوءة من الهواء فإنها إذا غوّصت في الماء وجد لها تمانع شديد، لأن الهواء في جوف الماء خفيف، فإذا شيلت الى الهواء لا يوجد ذلك التّمانع لأن الهواء في الهواء ليس بخفيف.
و اعلم أنه إذا أخذ من بركة ملئت ماء قدر من الماء، ثم ردّ إليها، وقف ذلك الماء المردود حيث ردّ، كما أن التّراب، إذا أخذ من الأرض ثم ردّ إليها، وقف حيث ردّ، و كذلك إذا استنشق الحيوان من الهواء ما يروّح الحرارة الغريزية، ثم ردّه بالتنفس، وقف ذلك الهواء المردود حيث ردّ إن لم يعرض له دافع.