رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٤ - فصل في بيان بدء الخلق
من طاقتها، و منعوها من التصرّف في مآربها، بعد ما كانت مخلّاة في البراري و الآجام و الغياض تذهب و تجيء حيث أرادت في طلب مراعيها و مشاربها و مصالحها و نفرت منهم بقيّتها من حمر الوحوش و الغزلان و السباع و الوحوش و الطيور، بعد ما كانت مستأنسة متوالفة مطمئنة في أوطانها و أماكنها، و هربت من ديار بني آدم إلى البراري البعيدة و الآجام و الدّحال[١] و رءوس الجبال. و شمّر بنو آدم في طلبها بأنواع من الحيل و القنص و الشّباك و الفخاخ، و اعتقد بنو آدم فيها أنها عبيد لهم هربت و خلعت الطاعة و عصت. ثم مضت السنون و الأيام على ذلك إلى أن بعث اللّه محمدا، صلى اللّه عليه و آله، و دعا الإنس و الجن إلى اللّه و دين الإسلام، فأجابته طائفة من الجن و حسن إسلامها، و مضت على ذلك مدة من الزمان.
ثم إنه ولي على بني الجانّ ملك منها يقال له بيراست الحكيم، لقبه شاه مردان. و كانت دار مملكته مردان في جزيرة يقال لها صاغون في وسط البحر الأخضر مما يلي خط الاستواء، و هي طيبة الهواء و التربة فيها أنهار عذبة و عيون جارية، و هي كثيرة الرّيف و المرافق و فنون الأشجار و ألوان الثمار و الرياض و الأنهار و الرياحين و الأنوار. ثم إنه طرحت الرياح العاصفة في وقت من الزمان مركبا من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، و كان فيها قوم من التجار و الصّنّاع و أهل العلم و سائر أغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة و طافوا فيها فوجدوها كثيرة الأشجار و الفواكه و الثمار، و المياه العذبة، و الهواء الطيب، و التربة الحسنة، و البقول و الرياحين و أنواع الزّرع و الحبوب مما تنبته أمطار السماء. و رأوا فيها أصناف الحيوانات من البهائم و الأنعام و الطيور و السباع و الوحوش و الهوامّ و الحشرات أجمع، و هي كلها متألّفة بعضها في بعض، مستأنسة غير متنافرة.
[١] -الدحال: جمع الدحل، و هو نقب ضيق فمه متّسع أسفله حتى يمشى فيه.