رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨ - الرسالة الأولى من الجسمانيات الطبيعيات في بيان الهيولى و الصورة و الحركة و الزمان و المكان و ما فيها من المعاني إذا أضيف بعضا إلى بعض(و هي الرسالة الخامسة عشرة من رسائل إخوان الصفاء)
و على هذا المثال يعتبر حال الصورة عند الهيولى، و حال الهيولى عند الصورة، الى أن تنتهي الأشياء كلّها إلى الهيولى الأولى التي هي صورة الوجود حسب، لا كيفية فيها و لا كمية، و هي جوهر بسيط لا تركيب فيه بوجه من الوجوه، قابل للصور كلّها و لكن على الترتيب كما بيّنا لا أيّ صورة كانت، تأخرت أو تقدمت، بل الأول فالأول؛ مثال ذلك أن القطن لا يقبل صورة الثوب إلا بعد قبوله صورة الغزل، و الغزل لا يقبل صورة القميص إلا بعد قبوله صورة الثوب. و كذلك الحبّ لا يقبل صورة العجين إلا بعد قبوله صورة الدقيق، و الدقيق لا يقبل صورة الخبز إلا بعد قبوله صورة العجين، و على هذا المثال يكون قبول الهيولى للصور واحدة بعد أخرى.
ثم اعلم أن الاجسام كلّها جنس واحد من جوهر واحد و هيولى واحدة، و إنما اختلافها بحسب اختلاف صورها، و من أجلها صار بعضها أصفى من بعض و أشرف، و ذلك أن عالم الأفلاك أصفى و أشرف من عالم الأركان، و عالم الأركان بعضها أشرف من بعض، و ذلك أن النار أصفى من الهواء، و أشرف منه، و الهواء أصفى من الماء و ألطف منه، و الماء أصفى من التراب و أشرف منه، و كلّها أجسام طبيعية يستحيل بعضها إلى بعض؛ و ذلك أن النار إذا أطفئت صارت هواء، و الهواء إذا غلظ صار ماء، و الماء إذا غلظ و جمد صار أرضا، و ليس للنار أن تلطف، أو للأرض أن تغلظ فتصير شيئا آخر، بل إذا تكوّنت أجزاؤها يكون منها الموّلدات، أعني المعادن و النبات و الحيوان، لكن يكون بعضها و أشرف تركيبا من بعض، و ذلك أن الياقوت أصفى من البلّور و أشرف منه، و أن البلّور أصفى من الزّجاج و أشرف منه، و الزّجاج أصفى من الخزف و أشرف منه، و كذلك الذّهب أشرف من الفضة و أصفى منها، و الفضة أصفى من النّحاس و أشرف منه،