رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٠ - فصل
إنهم ربما يحتاجون لترويح النسيم هناك بالمنافخ و الأنابيب، ليستنشقوا النسيم و تضيء سرجهم هناك. فمتى انقطع النسيم لعارض طفئت سرجهم و اختنق من كان في المعادن فمات. و لا يمكن أن يكون في المواضع التي لا يخترقها النسيم حيوانات كما بيّنّا في رسالة الحيوان.
و اعلم يا أخي أن الهواء بحر واقف، لطيف الأجزاء، خفيف الحركة، سريع السيلان، سهل القبول للتغييرات و الحوادث. و قد بيّنّا في رسالة الحاسّ و المحسوس كيفيّة قبوله للنور و الظلمة و الأصوات و الروائح، و كيفيّة قبوله البرد و الحرّ في رسالة الكون و الفساد. و نريد أن نصف في هذا الفصل كيفيّة حدوث الرياح، و كميّة أنواعها و جهاتها، و اختلاف تصاريفها، و ما العلّة المحرّكة لها في وقت دون وقت، و في بلد دون بلد، و نبيّن أيضا كيفيّة سياقة الغيوم من البحار إلى البراري و القفار و رءوس الجبال، و كيف تهزّ السّحاب حتى يهطل القطر. و لكن نحتاج قبل ذلك أن نذكر حالات القمر و منازله و اتصالاته بالكواكب التي هي الموجبة لإثارة البخارات و الدّخانات و التسخين الموجبة لكون الرياح فنقول:
إن للقمر في الفلك ثمانية و عشرين منزلا، كما ذكر اللّه تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ».
و اعلم يا أخي أن لهذه المنازل خواصّ يظهر تأثيرها في هذه الأركان الأربعة، و في المكنونات منها عند نزوله يوما بيوم و ليلة بليلة. و للشمس و الكواكب أيضا اتصالات بالكواكب بعضها ببعض يقوى فعلها، و تأثيرها فيها يطول شرحه، و هي مذكورة في كتب النجوم. و لكن نذكر منها كما لا بدّ من ذكره في هذا الفصل، و ذلك أن من تلك المنازل ما يقوى أفعاله في إثارة البخار من البحار و البطائح و الآجام، و منها ما يقوى أفعاله في إثارة الدّخانات من وجه الأرض و البراري، و منها ما يقوى فعله في تبريد الهواء و زيادة الماء، و منها ما يقوى فعله في إسخان الهواء و نقصان المياه،