رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦٨ - فصل
بالغدوات و العشيّات تكون منفرجة، و في أنصاف النهار حادّة، و فيما بين الوقتين قائمة. و يكون الجوّ متوسطا ما بين الحر و البرد، و لا تكون أنصاف نهار الشتاء شديدة الحرّ، كما تكون أنصاف نهار الصيف، لأن ارتفاع الشمس في الشتاء لا يبلغ خمسا و أربعين درجة.
و إذ قد فرغنا من ذكر ما احتجنا إلى ذكره فإنّا نقول: إن أكثر ما يكون سمك كرة النسيم ستة عشر ألف ذراع ارتفاعا في الهواء، و أقلّه ما يطابق سطح الأرض. و من الدليل على أن أكثر ما يكون سمك كرة النسيم هذا المقدار هو أن أعلى جبل يوجد في الأرض لا يجاوز ارتفاع رأسه في الهواء هذا المقدار، و أن أعلى هذه الجبال لا يبلغ ارتفاع الغيوم رءوسها، و إنما يمنعها شدّة البرد المفرط هناك، لأن الرافع للغيوم في الهواء هي حرارة الجوّ من إسخان الكواكب له بمطارح شعاعاتها، و انعكاس تلك الشّعاعات من سطح الأرض و البحار على زوايا حادّة، كما بيّنا قبل، و أنه أحدّ ما يتكوّن الزوايا على سطح الأرض. فأما في الهواء فإنه كلما ارتفع فإن أضلاع تلك الزوايا تنفرج و تتّسع، و تقبل التسخين هناك، و يضعف فعلها و يضمحلّ تأثيرها في العلوّ فيغلب البرد هناك.
و اعلم يا أخي أن أول ما يقبل الهواء من التغييرات و الاستحالات هو النّور و الظلمة و الحرّ و البرد، ثم ما يحدث فيه من اختلاف الرياح من كثرة البخارات المتصاعدة، و الدّخانات الساطعة المطبقة، و تتبعها الزوابع و الهالات و الضباب و الغيوم و الرعود و البروق و الصواعق و الهزّات، ثم الأمطار و الطّلّ و الندى و الصقيع و الثلوج و البرد و قوس قزح و الشّهب و كواكب الأذناب، و ما يتبع هذه من هيجان البحار و المدّ و الجزر في البحار و الأنهار.
و اعلم يا أخي أن هذه التغييرات التي تكون في الجوّ، لمّا كان يحدث بعضها في سمك كرة النسيم، و بعضها في سمك كرة الزمهرير، و بعضها