رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦٥ - فصل في ماهية الطبيعة
و إسخانها لها، يحلّل المياه فيصيّرها بخارا، و يلطّف أجزاء التراب فيصيّرها دخانا، و تختلطان، و يكون منهما المزاجات كما يكون من أصباغ المصوّرين ثم إن قوى النفس الكليّة الفلكية السارية في جميع الأجسام المسمّاة الطبيعة، تنقش و تصوّر و تصوغ من تلك المزاجات و الأخلاط أجناس الكائنات التي هي الحيوان و النبات و المعادن، بإذن اللّه، عزّ و جلّ. و لما كان أول اختلاط و مزاج يحدث في هيئة هذه الأركان، هو تغييرات الهواء و الحوادث الجو لسهولة انفعاله، و سرعة استحالته، احتجنا أن نذكر حال الهواء أولا، ثم حال المياه، ثم حال بقاع الأرض فنقول:
إنا قد بينّا في رسالة السماء و العالم أن كرة الهواء محيطة بكرة الأرض من جميع جهاتها، و أن سمكها من ظاهر سطح الأرض إلى أدنى فلك القمر، مثل قطر الأرض ستّ عشرة مرة و نصفها، و ذلك أن قطر الأرض ألفان و مائة و سبعة و ستون فرسخا، فيكون سمك الهواء ٣٥٧٥٨ فرسخا.
و اعلم يا أخي بأن سمك الهواء ينفصل بثلاث طبائع متباينات، إحداها مما يلي سطح الأرض، و الأخرى هي الوسط بينهما، و ذلك أن الهواء الذي يلي فلك القمر هو نار سموم في غاية الحرارة، يسمى الأثير، و الذي في الوسط بارد في غاية البرودة، يسمى الزّمهرير، و الذي يلي سطح الأرض معتدل المزاج في موضع دون موضع، يسمى النسيم. و العلّة في اختلاف هذه الطبائع الثلاث هو أن الهواء المماسّ لفلك القمر، لدوام دورانه معه و سرعة حركته، قد حمي حميا شديدا، حتى صار نارا سموما، ثم إنه لما كان منهبطا إلى أسفل كان أبطأ لحركته و أقلّ لحرارته، و كلما قلّت الحرارة غلبت البرودة، فلا يزال كذلك إلى أن يصير في غاية البرودة التي تسمى زمهريرا. و الذي يلي سطح الأرض معتدل المزاج في موضع دون موضع، و لا يكون سمك كرة الأثير، بالإضافة إلى كرة الزمهرير، إلّا شيئا يسيرا. و لو لا مطارح شعاعات الشمس و القمر و الكواكب على سطح