رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦٤ - فصل في ماهية الطبيعة
مثل الحياة و القدرة و العلم و ما شاكلها، و لا يدرون أن مع هذا الجسم جوهرا آخر روحانيّة غير مرئيّ، و هي النفس، و أن هذه التي وصفوها من الأعراض بأنها حالّة في الجسم، هي التي تظهرها فيه، أعني النفس بفعلها في الجسم.
و اعلم يا أخي أنما ذهب على الذين أنكروا فعل الطبيعة علم النفس، و خفي عليهم معرفتها، من أجل أنهم طلبوا إدراكها بالحواسّ، فلم يجدوها، فأنكروا وجودها. و أما الذين أقرّوا بالنفس و أدركوا وجودها، فإنما عرفوا ذلك بالأفعال الصادرة عنها في الأجسام، و ذلك أنهم اعتبروا أحوال الجسم، فوجدوه لمجرّده لا فعل له البتّة، و لا للأعراض الحالّة فيه، و إنما الأفعال كلّها للنفس، و أما الجسم و أعراضه فإنها للنفس بمنزلة أدوات و آلات لصانع يظهر بها و منها أفعاله، كما يرى ذلك من الصّنّاع البشريين، فإنهم بأدوات جسمانية يظهرون صناعاتهم في الأشياء، مثال ذلك النجّار فإنه يظهر أفعاله في الخشب الذي هو جسم طبيعيّ بآلات و أدوات جسمانية، كالفأس و المنشار و المثقب و ما شاكلها، و كلها أجسام صناعيّة، و أجسام الصّنّاع هي أيضا من الأجسام الطبيعيّة، و هي آلات لنفوسهم، و أدوات لها يظهرون بها صناعتهم و أفعالهم، كما بيّنّا في رسالة تركيب الجسد و رسالة الصنائع العمليّة.
و إذ قد بان ما الطبيعة و أنها قوّة من قوى النفس الكليّة الفلكيّة، و أنه لا فعل إلا للنفس، و أنها تفعل أفعالها بقوّتها في الأجسام، و أن الأجسام كلّها آلات و أدوات و مفعولات لها، كما أن الفكر و العلم آلات للنفس في إدراك المعلومات و المعقولات، و إخراجها من القوّة إلى الفعل، فنرجع الآن إلى ذكر الأجسام البسيطة التي دون فلك القمر، و نقول إنها الهيولى الموضوع للطبيعة، و هي فاعلة فيها الأشكال و الصّور، صانعة منها الحيوان و النبات و المعادن، و إن الأشخاص الفلكية لها كالأدوات للصانع، و ذلك أن الفلك يدوم دورانه حول الأرض في كل أربع و عشرين ساعة دورة واحدة، و بحركات كواكبه و مطارح شعاعاته في سمك الهواء على سطح الأرض و البحار