رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦ - الرسالة الأولى من الجسمانيات الطبيعيات في بيان الهيولى و الصورة و الحركة و الزمان و المكان و ما فيها من المعاني إذا أضيف بعضا إلى بعض(و هي الرسالة الخامسة عشرة من رسائل إخوان الصفاء)
اعلم، وفّقك اللّه، ان معنى قول الحكماء: «الهيولى» إنما يعنون به كلّ جوهر قابل للصورة، و قولهم «الصورة» يعنون به كل شكل و نقش يقبله الجوهر.
و اعلم ان اختلاف الموجودات إنما هو بالصورة لا بالهيولى، و ذلك أنا نجد أشياء كثيرة جوهرها واحد، و صورها مختلفة، مثال ذلك السكين و السيف و الفأس و المنشار و كلّ ما يعمل من الحديد من الآلات و الأدوات و الأواني، فإن اختلاف أسمائها من أجل اختلاف صورها، لا من أجل اختلاف جواهرها، لأن كلّها بالحديد واحد. و كذلك الباب و الكرسيّ و السرير و السفينة و كلّ ما يعمل من الخشب، فإن اختلاف أسمائها إنما هو بحسب اختلاف صورها، فأما هيولاها التي هي الخشب فواحدة. و على هذا المثال يعتبر حال الهيولى و الصورة في المصنوعات كلها، لأن كل مصنوع لا بدّ له من هيولى و صورة يركّب منهما.
و اعلم أن الهيولى على أربعة أنواع، منها هيولى الصناعة، و هيولى الطبيعة، و هيولى الكلّ، و الهيولى الأولى. فهيولى الصناعة هي كلّ جسم يعمل منه و فيه الصانع صنعته، كالخشب للنجارين، و الحديد للحدّادين، و التراب و الماء للبنائين، و الغزل للحاكة، و الدقيق للخبّازين، و على هذا القياس كلّ صانع لا بدّ له من جسم يعمل صنعته منه و فيه، فذلك الجسم هو هيولى الصّناعة. أما الأشكال و النقوش التي يعملها فيها فهي الصورة، فهذا هو معنى الهيولى و الصورة في الصنائع. و أما الهيولى الطبيعية فهي الأركان الأربعة، و ذلك أن كلّ ما تحت فلك القمر من الكائنات أعني النبات و الحيوان و المعادن، فمنها تتكوّن و إليها تستحيل عند الفساد. أما الطبيعة الفاعلة لهذا فهي قوة من قوى النفس الكلّيّة الفلكية، و قد بيّنّا كيفيّة فعلها في هذه الهيولى في رسالة أخرى. و أما هيولى الكلّ فهي الجسم المطلق الذي منه جملة العالم، و أعني الأفلاك و الكواكب و الأركان و الكائنات