رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٣ - فصل
و الماء و الأرض، و ثلاثة هي الموّلدات الجزئيات، و هي الحيوان و النبات و المعادن. فلنبدأ أولا بوصف الأمهات الكليات فنقول:
إن الأمّهات كلّ واحدة منها مركّبة من هيولى و صورة، فهيولاها كلّها هو الجسم و صورها هي التي بها تنفصل كلّ واحدة منها عن الأخرى، و هي الصورة المقوّمة لذات كل واحدة منها. و لما كانت الصورة نوعين:
مقوّمة و متمّمة، احتجنا أن نصفهما ليعرف الفرق بينهما. فنقول: إن الصورة المقوّمة لذات الشيء هي التي إذا فارقت هيولاها بطل وجدان ذلك الشيء. و الصورة المتمّمة هي التي تبلغ الشيء إلى أفضل حالاته التي يمكنه البلوغ إليها، و إذا فارقت هيولاها لم يبطل وجدان الهيولى. مثال ذلك السكون و الحركة فإنهما إذا فارقا الجسم لا يبطل وجدان الجسم، و أما الطول و العرض و العمق، فإذا فارقت الهيولى يبطل وجدان الجسم.
و اعلم يا أخي أن كلّ صورة مقوّمة لذات الشيء تتلوها أخرى متمّمة؛ و كلّ صورة مقوّمة فاعلة لأخرى تابعة لها يتلو بعضها بعضا كما يتلو العدد أزواجه أفراده و أفراده أزواجه بالغا ما بلغ. مثال ذلك الصورة المشاكلة في جرم النار المقوّمة لذاتها، فهي حركة الغليان، و الصورة المتمّمة التابعة لها هي جرم الحرارة، و تتلوها اليبوسة، و يتلوها تماسك الأجزاء.
فلولا رطوبة الهواء المحيطة بالنيران التي تمنعها أن تفرط في اليبوسة، لتماسكت أجزاؤها و جفّت كما تجفّ نار الصاعقة، و لكن لو أصابها اليبس و الجفاف لقلّ الانتفاع بها و هو الغرض الأقصى منها.
و اعلم يا أخي أن الهواء جوهر شريف فيه فضائل كثيرة، و خواصّ عجيبة، من ذلك أنه يمنع النيران برطوبته أن تيبس و تجفّ، كما يمنع الأصوات بسيلانه أن تثبت زمانا طويلا فيقلّ الانتفاع بها، و يكثر الضرر منها، و ذلك أن الأصوات ليست تمكث في الهواء إلّا ريثما تأخذ المسامع حظّها، ثمّ تضمحلّ، و لو ثبتت الأصوات في الهواء زمانا طويلا،