رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٦١ - فصل في فضيلة جوهر النفس
الأقاليم، و خطط الجبال و البحار و البراري و الأنهار، و بيّن حدود البلدان و المدن و المسالك و الممالك، و كتب في صدر المجلس علم الطب و الطبائع، و صوّر النبات و الحيوانات و المعادن بأنواعها و أجناسها و أشخاصها، و بيّن خاصّيتها و منافعها و مضارّها. و كتب في الجانب الآخر علم الصنائع و الحرف، و بيّن كيفيّة الحرث و النسل، و صوّر المدن و الأسواق، و بيّن أحكام البيع و الشراء و الربح و التجارات. و كتب في الجانب الآخر علم الدين و الملل و الشرائع و السّنن، و بيّن الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام. و كتب في الجانب الآخر السياسة و تدبير المملكة، و بيّن كيفيّة جباية الخراج، و الكتّاب و الدواوين، و بيّن أرزاق الجنود، و حفظ الرعيّة و الثغور بالجيوش و الأعوان.
فهذه ستة أجناس من العلوم يراض بها أولاد الملوك. و هذا مثل ضربته الحكماء، و ذلك أن الملك الحكيم هو اللّه تعالى، و الأولاد الصغار هي الإنسانية، و القصر المبنيّ هو الفلك بأسره، و المجالس المتقنة هي صورة الإنسان، و الآداب المصوّرة هي عجيب تركيب جسده، و العلوم المكتوبة فيه هي قوى النفس و معارفها، و نحن نبيّن هذا فصلا فصلا فيما بعد بأوجز الوجوه.
فصل في فضيلة جوهر النفس
فنقول: اعلم أن لجواهر النفوس عند اللّه منزلة و كرامة ليست لجواهر الأجسام، و ذلك لقرب نسبتها منه، و بعد نسبة الأجسام، و ذلك أن جواهر النفوس حيّة بذاتها علّامة و فعّالة، و جواهر الأجسام ميّتة منفعلة لا مثال لها. و قد بينّا في رسالة المبادي العقليّة أن نسبة الموجودات من الباري تعالى كنسبة العدد من الواحد، و العقل كالاثنين، و النفس كالثلاثة، و الهيولى