رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٢ - فصل
سنة. فقد تبين بهذا المثال و على هذا القياس أن كل ما زاد في المكث نقص في العمر.
فأما الذي يوجد بالتجربة أن جنينا مكث عشرة أشهر، و عاش مائة و عشرين سنة؛ أو مكث تسعة أشهر، أو مات لأقل من ستين سنة، فلعلل و أسباب خارجة عن الأمر الطبيعي يطول شرحها.
و على هذا المثال يجري حكم سعادة المواليد، و ذلك أن اللّه، عز و جل، قد جعل لكل مولود قدرا من السعادة في الدنيا، و قسمها قسمين: قسما جعل منه لطول العمر، و قسما لرغد العيش. و ربما يزيد لأحد المواليد في عمره، و ينقص من رغد عيشه. و ربما يزيد لآخر في رغد عيشه، و ينقص من عمره. فمن أجل هذا ترى كثيرا من سعداء أبناء الدنيا الرغدي العيش يكونون قيصري الأعمار، و ترى كثيرا طويلي الأعمار ناقصي رغد العيش.
و مما يحكى أن ملكا رأى شيخا في داره كبيرا سقّاء، فقال له: كم تعدّ من الخلفاء؟
فقال له: كثير! فقال له شبه المتعجب: ما بالكم تطول أعماركم، و تنقص أعمارنا؟
فقال له السقاء: لأن أرزاقكم تجيؤكم مثل أفواه القرب، و أن أرزاقنا تجيء مثل قطر المطر.
فاستحسن الملك قوله، و ضحك، و أمر له بجائزة حسنة أغناه بها. ثم فقده بعد قليل فسأل عنه فعرف بموته. فقال: صدق، لما جاء الرزق مثل أفواه القرب قصر عمره.
و هكذا أيضا الحكم و القياس قد جعل اللّه لكل إنسان حظّا من السعادة، و قسطا من النعيم، و قسمها قسمين، فجعل قسطا في الدنيا، و قسطا في الآخرة، كما ذكر فقال عزّ من قائل: «كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» و قال:
«وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» فمقدار ما يدخل الإنسان حظه من النعيم