رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٤١ - فصل
و اتحدت قوتهما، و صارت نفس المولود متهيئة لقبول تأثيراتهما، و يكون أكثر همة نفسه الكلام في وصف محاسن أمور الدنيا، و نعت شهواتها، و وصف لذاتها بالأشعار و الغناء و الألحان و النغمات و الإيقاعات الموزونة و الحركات المنتظمة. و إن كان عطارد هابطا في فلكه، راجعا في مسيره، أو مذموما في أحواله، كان المولود سكّينا أو أخرس أو بليدا أو معتوها.
ثم يدخل الشهر السابع، و ينتهي مسير الشمس إلى البرج السابع المقابل لموضعها، الذي كان عند مسقط النّطفة، و يصير التدبير للقمر النيّر الأصغر نظير الشمس في المنظر، المخالف في المخبر، المتوسط بين العالمين، الآخذ من طبائع الكواكب فيضها من العالم العلوي، الفائض المؤدي تلك الفيضات و الخيرات إلى العالم السّفلي.
فإن كان القمر عند ذلك صاعدا في فلكه، زائدا في نوره، سريعا في مسيره، بريئا من المناحس، انعجن في تلك المادة، و انطبع في ذلك المزاج، و انغرس في تلك الجملة ذلك الفيضان، الذي يؤدّيه القمر من هناك إلى هذا العالم، و صارت نفس المولود متهيئة لقبول سائر تأثيرات الكواكب، بحسب الحال التي عليها القمر من الخمسة و العشرين حالا المذكورة في كتاب مدخل النجوم. و إن كان القمر في منزلته أو شرفه، أو في أوجه، أو في ميله أو وجهه، كان المولود، إن قدّر اللّه عزّ و جل بالتمام و الكمال، مسعودا في أكثر أحواله، محمودا في أكثر أموره في الدنيا و الآخرة جميعا. و إن كان القمر في حد عطارد، امتزجت طبيعتهما، و اتحدت قوتاهما، و كان المولود ممزوج الطبائع، مختلفها، متفنن الشمائل، متلوّن الأخلاق، متنقلا في الآراء و المذاهب، متداخلا في الأمور المشاكلة، متشابكا في الأمور الدّنيوية، قليل الثبات فيها، سريع التغيّر عنها، كثير التنقل فيها، سهل الانقياد، سريع البلوى، مواتيا لهوى نفسه، متباعدا عن إخوانه. و إن كان القمر في حد زحل، كانت الأمور التي وصفنا بالضّد مما ذكرنا، و كان المولود في أكثر