رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٢٧ - فصل في كيفية حال الجنين في الشهر السادس
و أما الذي يزيد و ينقص عن هذا المقدار فلأسباب و علل يطول شرحها، و هي مذكورة في كتاب أحكام النجوم و مكث الأجنّة و أعمار المواليد، و قد ذكرنا طرفا من ذلك في رسالة العلل و المعلولات، و لكن نذكر من ذلك طرفا ليكون دليلا على ما وصفنا.
و اعلم يا أخي بأن الكائنات التي تحت فلك القمر تبتدئ من أنقص الحالات و أدونها مترقية إلى أتمها و أفضلها، و يكون ذلك في مرّ الزمان و الأوقات، لأن طبيعتها لا تقبل فيض أشخاص فلكية دفعة واحدة، و لكن شيئا بعد شيء على التدريج، كما يقبل المتعلم الذكي من الأستاذ الحاذق.
و اعلم بأن فيضات الكواكب من محيط الأفلاك متصلة نحو مركز الأرض في دائم الأوقات، و لكنها مفنّنة الألوان، متغايرة الأشكال، و ذلك بحسب مواضعها من أفلاكها، و موازاتها من فلك البروج، و حدودها كما نبين بعد هذا الفصل.
و اعلم يا أخي بأن الحكمة الإلهية و العناية الربّانية قد جعلت لكل كائن من الموجودات، تحت فلك القمر، مقدارا من الوجود و البقاء معلوما، مقدّرا، أو يكون ذلك بمقدار دور شخص من الأشخاص الفلكية، كما بينّا طرفا منه في رسالة ماهيّة الطبيعة. و لكن نذكر من ذلك أيضا هاهنا مثالا واحدا من الأشخاص الإنسانية، و ذلك أن نطفة الإنسان إذا سقطت في الرحم، فإن مكثها الطبيعي، إلى أن تقبل صورة الإنسانية، أربعة أشهر بمقدار ما تسير الشمس أربعة أبراج مائة و عشرين درجة، و تستوفي بمسيرها طبائع البروج المثلثات مرة واحدة فعند ذلك يبقى الجنين إلى يوم الولادة أربعة أشهر أخر، و هو مقدار ما تسير الشمس أربعة أبراج مائة و عشرين درجة، و تستوفي بمسيرها طبائع البروج المثلثات مرة أخرى. و بذلك يبقى لها أن تعود إلى الدرجة التي كانت فيها يوم مسقط النّطفة مائة و عشرين درجة، فيستوفي المولود العمر الطبيعي في الدنيا، مائة و عشرون سنة لكل درجة،