رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٣ - فصل في أن الجسد كالدار و أن النفس كالساكن في الدار
فصل في أن الجسد كالدار و أن النفس كالساكن في الدار
اعلم أن النظر في ماهية النفس مجردة من الجسد، و التصوّر بذاتها خلو منه، عسر جدّا على المرتاضين بالرياضات الحكمية، فكيف على غيرهم؟ و لكنه إذا نظر إلى ما يظهر من أفعالها من الجسد، و اعتبر تصرف أحوالها مع الجسد، يسهل عليه ذلك، و يقرب من فهم المتعلمين، و التصوّر في أفكار المتفكرين، وجودها و تبيّن شرف جوهرها. و نريد أن نبيّن من ذلك طرفا و نضرب أمثالا كيما يكون أوضح للبيان و أقرب من فهم المبتدئين، و أبلغ للتصوّر في أفكار المفكرين.
فنقول: اعلم أن هذا الجسد لهذه النفس هو بمنزلة دار لساكنها بنيت و أحكم بناؤها، و قسمت بيوتها، و ملئت خزائنها، و سقفت سطوحها، و فتحت أبوابها، و علقت ستورها، و أعد فيها كلّ ما يحتاج إليه صاحب المنزل في منزله من الفرش و الأواني و الأثاث و المتاع على أتم ما يكون و أكمله و أتقنه. فرجلاه و قيام الجسد عليهما كأساس الدار. و رأسه في أعلى بدنه كالغرفة في أعلى الدار. و ظهره من خلفه كظهر الدار. و وجهه أمامه كصدر الدار. و رقبته و طولها كرواق الدار. و فتح حلقومه و جريان الصوت فيه كدهليز الدار. و صدره في وسط بدنه كصحن الدار. و الأوعية التي في صدره كالبيوت و الخزائن في الدار. و رئته و بردها كالبيت الصيفي. و الخيشوم و جريان النفس في الحلقوم كالباداهج. و قلبه مع الحرارة الغريزية كالبيت الشّتويّ. و معدته و نضج الغذاء فيها كالمطبخ. و كبده و حصول الدم فيه كبيت الشراب. و مجاري عروقه و جريان الدم و النّبض إلى سائر أطراف البدن كمسالك الدار. و طحاله و حصول عكر على الدم فيه كخزانة الأثاث.