رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٩ - فصل
و تكونوا معي في ملكوت السماوات عند أبي و أبيكم، و إلّا فلستم في شيء مني.» فقبلوا و قتلوا و لم يرتدّوا عن دين المسيح.
و هكذا يفعل البراهمة من أهل الهند، يقتلون أنفسهم، و يحرقون أجسادهم، طلبا للدين، و يرون و يعتقدون بأن أقرب قربان إلى اللّه تعالى أن يقتل التائب جسده، و يحرق بدنه، ليكفّر عن ذنوبه يقينا منه بالمعاد. و هكذا يفعل المانيّة و المثنويّة، تمنع أنفسها من الشهوات، و تحمل عليها كدّ العبادات، حتى تقتلها و تخلّصها من دار البلاء و الهوان.
و على هذا القياس يوجد حكم سنن أهل الديانات في جعل قتل النفوس من فنون العبادات، و أحكام الشرائع كلها وضعت لطبّ النفوس، و طلب النجاة من نار جهنم، و الفوز بالوصول إلى نعيم الآخرة دار المعاد و القرار.
و أخبر الملك و أذكّره أن في أهل الديانات و المذاهب أخيارا و أشرارا، و لكن أشرّ الأشرار من لا يؤمن بيوم الحساب، و لا يرجو ثواب الإحسان، و لا يخاف مكافأة السيئات، و لا يقرّ بوحدانية الصانع الباري الحكيم، الخالق الرازق، المحي المميت، المعيد الذي يرجع، إليه المرجع و إليه المصير.
فصل
ثم قال زعيم الهند: نحن بني آدم أكثر من الحيوانات عددا و أمما و أجناسا و أنواعا و أشخاصا، و أعرف بفنون تصاريف أحوال الزمان و مآربه و عجائبه.
قال الملك: و ما يدريك؟
قال: لأن الربع المسكون من الأرض يحوي نحو سبعة عشر ألف مدينة مختلفة الأمم الكثيرة العدد التي لا تعد و لا تحصى. فمن تلك الأمم التي لا تعد و لا تحصى أهل الهند، و أهل الصين، و أهل السّند، و أهل الزّنج، و أهل الحجاز، و أهل اليمن، و أهل الحبشة، و أهل نجد، و أهل بلاد النّوبة،