رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٥ - فصل
الحشرات. و هكذا فرعون لما طغى و بغى على موسى، أرسل عليه جنود الجراد و أصغر من الجراد القمل، و قهره فلم يعتبر و لم ينزجر. و هكذا لما جمع اللّه لسليمان، ٧، الملك و النبوّة، و شيد ملكه، و سخّر له الجن و الإنس، و قهر ملوك الأرض و غلبهم، شكّت الجن و الإنس في أمره، و ظنت أن ذلك بحيلة منه و قوّة و حول له، مع أنه قد نفى هو ذلك عن نفسه بقوله: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» فلم ينفعهم قوله، و لم يزل الشك من قلوبهم في أمره، حتى بعث اللّه هذه الأرضة فأكلت منسأته، و خرّ على وجهه في محرابه، فلم يجسر على ذلك أحد من الجن و الإنس هيبة منه و إجلالا.
و بيّن اللّه قدرته، ليكون عظة لملوكهم الجبابرة الذين يفتخرون بكبر أجسادهم، و عظم جثتهم، و شدّة صولتهم. و مع هذه كلها لا يتعظون و لا ينتبهون و لا يزجرون بل يلحّون و يتمرّدون و يفتخرون علينا بملوكهم الذين هم صرعى بأيدي صغارنا و الضعفاء من أبناء جنسنا.
و أما دودة الدرة، فهي أصغر حيوان البحر بنية، و أضعفها قوة، و ألطفها جثة، و أكبرها نفسا، و أكثرها علما و معرفة، و ذلك أنها تكون في قعر البحر مقبلة على شأنها في طلب قوتها، حتى إذا حان وقت من الزمان صعدت من قعر البحار إلى سطح الماء في يوم المطر، فتفتح أذنين لها شبه شفتين، فيقطر فيهما من ماء المطر حبّات، فإذا علمت بذلك، ضمّت تينك الشفتين ضمّا شديدا إشفاقا أن يرشح فيها من ماء البحر المالح، ثم تنزل برفق إلى قعر البحار كما كانت بدءا، و تمكث هناك منضمّة على الصدفتين إلى أن ينضج ذلك الماء، فينعقد منه الدر، فأي علماء الإنس يعمل مثل هذا، خبروني إن كنتم صادقين؟
و قد جعل اللّه تعالى في جبلة نفوس الإنس محبة لبس الحرير و الديباج و الإبريسم و ما يتّخذ منها من اللباس الحسن الذي هو كله من لعاب هذه الدودة الصغيرة الجثة، الضعيفة البنية، الشريفة النفس، و جعل في ذوقهم