رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٥ - فصل في بيان فضيلة النحل و عجائب أموره و تصاريف أحواله و ما خص به من الكرامات و المواهب دون غيره من الحشرات
فهؤلاء ايضا يعلمون مثل السّخرية بحيث أنهم يبعثون إلينا الهدايا من التمر و الدبس، إذ كلاهما يضرّ بأبدانهم، و يأخذون منا عسلا صافيا لذيذا، جعله اللّه تعالى سببا لشفاء أبدانهم، و زوال أمراضهم. فنحن من حسن أخلاقنا لا نضايقهم فنصالحهم، إذ الصلح خير لنا و لهم، لأن العداوة و الخصومة تؤدي إلى هلاك الحيوان، و تؤدي إلى خراب البلاد. فنحن نراجعهم و نصالحهم لما في طبائعنا من الخيرة، و لما في صدورنا من السلامة و قلة الحقد و الحسد و حسن المراجعة. و قلبنا صار موضع إلهام اللّه تعالى لا يجوز أن يكون موضع الحقد و الحسد، إذ هما ضدّان لا يجتمعان. و ذلك أن اللّه تعالى جعلنا من المقرّبين و الصالحين، و ألقى الوحي علينا لا يليق بنا أن نكون فاسقين طاغين.
و مع هذا كله لا يرضون منا هؤلاء الإنس، حتى يدّعون علينا بأننا عبيد لهم، و هم موال و أرباب لنا بغير حجة و لا بيان و لا برهان، غير الزور و البهتان. إذ نحن غير محتاجين إليهم حسب ما يكون العبيد محتاجين إلى الموالي في تصاريف أمورهم، بل هم محتاجون إلينا مثل ما يحتاج الخدم إلى السيد. و اللّه المستعان، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم، إنه هو الغفور الرحيم.