رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٤ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
الأمور بمشيئته، فجعل قوام الخلائق بعضها ببعض، و جعل لها عللا و أسبابا، لما رأى فيها من إتقان الحكمة، و صلاح الكل، و نفع العموم. و لكن ربما يعرض من جهة العلل و الأسباب آفات و فساد لبعض، لا بقصد من الخالق تعمدا، و لكن بعلمه السابق بما يكون قبل أن يكون. و لم يمنع علمه بما يكون منها من الفساد و الآفات أن يخلقها إذ كان النفع فيه أعم، و الصلاح أكثر من الفساد. بيان ذلك أن اللّه، عز و جل، لما خلق الشمس و القمر و سائر الكواكب، جعل الشمس سراجا للعالم، و حياة و سببا للكائنات بحرارتها، و محلّها من العالم محلّ القلب من البدن تنبثّ منه الحرارة الغريزية إلى سائر أطراف البدن التي هي سبب الحياة و صلاح الجملة.
و هكذا حكم الشمس حياة و صلاح للكل، و النفع للعموم. و لكن ربما يعرض منها تلف و فساد لبعض الحيوانات و النبات، فيكون ذلك مغفورا في جنب نفع العموم و صلاح الكل.
و هكذا حكم زحل و المرّيخ و سائر كواكب الفلك. خلقها لصلاح العالم و نفع العموم، و إن كان يعرض لها في بعض الأحيان المناحس من إفراط حر أو برد.
و هكذا حكم الأمطار يرسلها اللّه لحياة البلاد، و صلاح العباد من الحيوان و النبات و المعادن، و إن كان ربما يكون منها فساد و هلاك لبعض الحيوانات و النبات.
و هكذا حكم الحيات و السباع و التّنين و التماسيح و الهوام و الحشرات و الجراد، كل ذلك خلقه اللّه من المواد الفاسدات و العفونات الكائنة، ليصفو الجو و الهوام، و لئلا يعرض لها الفساد من البخارات المتصاعدة، فيتعفّن الهواء و يكون من ذلك أسباب للوباء و هلاك الحيوانات كلها دفعة واحدة.
بيان ذلك أن الديدان و الذّباب و البق و الخنافس لا تكون في دكان البزّاز[١]
[١] -البزاز: بائع الثياب و صانعها.