رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٢ - فصل في بيان العداوة بين بني الجان و بين بني آدم و كيف كانت
فلما رآه مستقرّا عنده خرّ سليمان، ٧، ساجدا للّه تعالى، و تبيّن فضل الإنس على الجن. و انقضى المجلس و انصرفت الجن من المجلس من هناك خجلين منكّسين رءوسهم، و غوغاء الإنس يتغطغطون[١] في أثرهم، و يستقفون أثرهم شامتين بهم.
فلمّا جرى ما ذكرته هربت طائفة من الجنّ من سليمان، و خرج عليه خارج منهم، فوجّه سليمان، ٧، في طلبهم من جنوده، و علّمهم كيف يأخذونهم بالرّقى و العزائم و الكلمات و الآيات المنزلات، و كيف يحسبونهم بالمنادل، و عمل في ذلك كتابا وجد في خزانته بعد موته، و شغل سليمان، ٧، طغاة الجنّ بالأعمال الشاقّة إلى أن مات.
ثم لمّا بعث المسيح، ٧، دعا الخلق من الجنّ و الإنس إلى اللّه تعالى، عزّ و جلّ، و رغّبهم في لقائه، و بيّن لهم طريق الهدى، و علّمهم كيف الصعود إلى ملكوت السماوات، فدخل في دينه طوائف من الجن و ترهّبت و ارتقت إلى هناك، و استمعت من الملإ الأعلى الأخبار، و ألقت إلى الكهنة.
فلمّا بعث اللّه محمدا، صلى اللّه عليه و آله، منعت من استراق السّمع، و قالت: لا ندري أ شرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربّهم رشدا.
و دخلت قبائل من الجنّ في دينه و حسن إسلامها، و انصلح الأمر بين بني الجان و بين المسلمين من أولاد آدم، ٧، إلى يومنا هذا.
ثم قال الحكيم: يا معشر الجنّ، لا تتعرّضوا لهم، و لا تفسدوا الحال بينكم و بينهم، و لا تحرّكوا الأحقاد الساكنة، و لا تثيروا الأضغان الكامنة و البغضاء و العداوة القديمة المركوزة في الطّباع و الجبلة، فإنها كالنار الكامنة
[١] -يتغطغطون: يتبددون، او يتدفقون كموج البحر.