رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٩٣ - فصل
و أضلاع و مصارين و أمعاء و كروش و معدة و قلب و رئة و طحال و كليتان و مثانة و قحف الرأس، و الشّعر و الوبر و الصوف و الرّيش و الصّدف و ما شاكلها مما يمنع وصول نسيم الهواء إلى عمق أبدانها، و ترويح الحرارة الغريزيّة فيها، فقد جعل لبعضها رئة و حلقوم و مجار للنّفس لكيما يصل نسيم الهواء إلى عمق أبدانها و محابس قعر أجسادها، و يروّح الحرارة الغريزيّة فيها، و يحفظ الحياة عليها إلى وقت معلوم. فهذا الذي ذكرناه هو حكم الحيوانات التامة الخلقة الكاملة الصورة التي تستنشق الهواء و تتنفس منه و تعيش فيه.
و أما أجناس الحيوانات التي تعيش في المياه و لا تخرج منها فإنها لا تحتاج إلى استنشاق الهواء و لا التنفّس منه، لأن الباري الحكيم، جلّ ثناؤه، لما خلقها في الماء و جعل حياتها منه و فيه، جعلها على طبيعة واحدة، و هي طبيعة الماء، و ركّب أبدانها تركيبا يصل برد الماء و رطوبته إلى قعر أبدانها و عمق أجسادها، و تروّح الحرارة الغريزية التي في طباع تركيبها، و تنوب عن استنشاقها الهواء، و تنفّسها منه. و جعل لكل نوع منها أعضاء مشاكلة لبدنه، و مفاصل مناسبة لجثته، و جعل على أبدانها من أنواع الصّدف و فنون الفلوس و ما شاكلها، لباسا لها و دثارا من الحر و البرد، و غطاء و وطاء و وقاية لها من الآفات العارضة. و جعل لبعضها أجنحة و أذنابا تسبح بها في الماء مثل الطيور في الهواء، و جعل بعضها آكلا، و بعضها مأكولا، و جعل نسل مأكولها أكثر عددا من نسل آكلها، كلّ ذلك غرضا لبقاء أشخاصها و دوام نسلها زمانا طويلا أطول ما يمكن في حياتها و طبائعها.
و أما أجناس الطيور التي هي سكّان الهواء و قاطنوه فإن الباري الحكيم، جل ثناؤه، جعل أبدانها مختصرة من أعضاء كثيرة مما في أبدان الحيوان البرّي الذي يحبل و يلد و يرضع ليخفّف عليها النهوض في الهواء و الطيران فيه، و ذلك أن الباري لم يجعل للطير أسنانا، و لا أذنا بيّنة، و لا معدة،