رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٧ - فصل في اختلاف النبات من جهة الأزمان
ترتيب و نظام لما فيه من إتقان الحكمة و إحكام الصّنعة، لتكون الموجودات كلّها عالما واحدا منتظما نظاما واحدا و ترتيبا واحدا، لتدلّ على صانع أحد.
فمن أجل تلك الموجودات المختلفة الأجناس، المتباينة الانواع، المربوطة أوائلها بأواخرها، و أواخرها بما قبلها في الترتيب و انتظام الموّلدات، الكائنات التي دون فلك القمر و هي أربعة أجناس: المعادن و النبات و الحيوان و الإنسان، و ذلك أن كلّ جنس منها تحته أنواع كثيرة، فمنها ما هو في أدون المراتب، و منها ما هو في أشرفها و أعلاها، و منها ما هو بين الطرفين.
فأدون أطراف المعادن مما يلي التراب الجصّ و الزاج و أنواع الشّبوب؛ و الطرف الأشرف الياقوت و الذهب الأحمر، و الباقي بين هذين الطرفين من الشرف و الدناءة كما بيّنا في رسالة المعادن.
و هكذا أيضا حكم النبات فإنه أنواع كثيرة متباينة متفاوتة، و لكن منه ما هو في أدون الرّتبة مما يلي رتبة المعادن، و هي خضراء الدّمن، و منها ما هو في أشرف الرّتبة مما يلي رتبة الحيوان، و هي شجرة النّخل. و بيان ذلك أن أوّل المرتبة النباتية و أدونها مما يلي التراب هي خضراء الدّمن، و ليس بشيء سوى غبار يتلبّد على الأرض و الصّخور و الأحجار، ثم تصيبه الأمطار و أنداء الليل، فيصبح بالغد كأنه نبت زرع و حشائش. فإذا أصابه حرّ شمس نصف النهار جفّ، ثم يصبح من غد مثل ذلك من أوّل الليل و طيب النسيم. و لا تنبت الكمأة و لا خضراء الدّمن إلّا في أيام الربيع في البقاع المتجاورة لتقارب ما بينهما، لأن هذا معدن نباتيّ و ذلك نبات معدني.
و أما النخل فهو آخر المرتبة النباتية مما يلي الحيوانية، و ذلك أن النخل نبات حيوانيّ، لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات، و إن كان جسمه نباتا. بيان ذلك أن القوّة الفاعلة منفصلة من القوّة المنفعلة، و الدليل على ذلك