رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٥ - فصل
دفع المضارّ بها، و إنما احتاج العلماء و العقلاء إلى الاستدلال بالشاهد على الغائب، و قياس الجزء على الكلّ، على أن العالم محدث عند حيرة عقولهم، فإذا فكّروا في حدثه و كونه بعد أن لم يكن، و بحثوا عن تلك العلّة الداعية للصانع إلى الفعل إن لم يكن فعل و هي العلّة التي تسمّى العلة التماميّة التي من أجلها يفعل الفاعل فعله.
و لما فكّر كثير من العقلاء في هذه العلة، و بحثوا عنها لم يعرفوها.
و هكذا أيضا لما فكروا في أمر الفاعل متى فعل، و في أيّ زمان عمل، و في أيّ مكان، لم يعرفوها و لم يتصوروا ذلك، و أيضا لما فكروا و طلبوا أنه من أيّ شيء عمله، و كيف صوّره، و أين كانت رجل البركار لما شكّل أكر الأفلاك، و دوّر الكواكب، و ما شاكل هذه المباحث و التفكّر في أشياء ليس في طاقة الإنسان معرفتها، و لا في قوة نفسه تصوّرها، فعند ذلك دعاهم جهلهم و حيرتهم و شكوكهم إلى القول بقدم العالم و أزليّته بغير علم و لا بيان، إلّا أوهام كاذبة و تخييلات باطلة و تمويهات مموّهة، و قد علم اللّه تعالى قبل أن خلقهم أنه تعرض لهم هذه الشكوك و الحيرة، فأزاح عللهم بأن أراهم أشياء لا يشكّون فيها و لا في كونها و لا في حقيقتها، لتكون مثالا لهم و قياسا على ما لا يشهدونه و يتصوّرونه في حدوث العالم و صفته، و هي هذه الكائنات الفاسدات من النبات و المعادن و الحيوان، و جعل أيضا مركوزا في جبلة العقول أن الصنعة المتقنة لا تكون إلّا من صانع قدير، و جعل أيضا أثر الصنعة باقيا في المصنوع يشاهدونها ليلهم و نهارهم من دوران هذه الأفلاك حول المركز، و سير الكواكب فيها، و تعاقب الليل و النهار و الشتاء و الصيف على الأركان الأربعة، و التغييرات و الاستحالة، و تكوين الكائنات الفاسدات، كلّ هذه دلالة للعقول و شواهد للنفوس على حدوث العالم و تكوينه بعد أن لم يكن، إذ لم يوجد في جميع هذه الكائنات الجزئيّة شيء خال من علّة فاعليّة، و علة هيولانية، و علة صوريّة، و علة تماميّة. و نحن