المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٤٤ - و يزيدنا شيخ الإسلام ابن تيمية إيضاحا للمسألة فيقول
و لهذا كان الإمام أحمد بن حنبل و غيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى و من قال أنه غير مخلوق فهو مبتدع. و فى بعض الروايات عنه: من قال لفظى بالقرآن مخلوق يعنى به القرآن فهو جهمى لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا و مسمى هذا فعل العبد و فعل العبد مخلوق و يراد باللفظ القول الّذي يلفظ به اللافظ و ذلك كلام اللّه لا كلام القارئ فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن للّه لم يتكلم بهذا القرآن و إن هذا الّذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام اللّه و معلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول. و أما صوت العبد فهو مخلوق و قد صرح أحمد و غيره بأن الصوت المسموع صوت العبد و لم يقل أحمد قط: من قال صوتى بالقرآن مخلوق فهو جهمى[١] و إنما قال: من قال لفظى بالقرآن، و الفرق بين لفظ الكلام و صوت المبلغ له فرق واضح، فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، و هو إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير، و نفس اللفظ و التلاوة و القراءة و الكتابة و نحو ذلك لما كان يراد به المصدر الّذي هو حركات العباد و ما يحدث عنها من أصواتهم و شكل المداد، و يراد به نفس الكلام الّذي يقرأه التالى و يتلوه و يلفظ به و يكتبه، منع أحمد و غيره من إطلاق النفى و الإثبات، الّذي يقتضي جعل صفات اللّه مخلوقة، أو جعل صفات العباد و مدادهم غير مخلوق.
و قال أحمد: نقول القرآن كلام اللّه غير مخلوق حيث تصرف: أى حيث تلى و كتب و قرئ مما هو فى نفس الأمر كلام اللّه، فهو كلامه، و كلامه غير مخلوق و ما كان من صفات العباد و أفعالهم التى يقرءون و يكتبون بها كلامه كأصواتهم و مدادهم فهو مخلوق، و لهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار، فإنه معلوم أن القرآن واحد و يقرأه خلق كثير، و القرآن لا يكثر و يحدث فى نفسه بكثرة قراءة القراء، و إنما يكثر ما يقرءون به القرآن، فما يكثر و يحدث فى العباد فهو مخلوق، و القرآن نفسه لفظه و معناه الّذي تكلم اللّه به، و سمعه جبريل من اللّه،
[١] - و انظر أيضا مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/ ١٦٧، ٢٣١، ٢٣٥، ٢٤٤، ٢٦٥، ٣٠٣، ٣٠٦، ٣٦٣، ٣٩٥، ٤٢١- ٤٢٢، ٤٢٦- ٤٢٧، ٥٦٧- ٥٦٨.