المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٠٠ - رسالة الإمام أحمد إلى الخليفة المتوكل فى أمر القرآن
أن يديم توفيق أمير المؤمنين أعزه اللّه بتأييده فقد كان الناس فى خوض من الباطل و اختلاف شديد ينغمسون فيه حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين أيده اللّه عز و جل فنفى اللّه تعالى بأمير المؤمنين- أعزه اللّه- كل بدعة و انجلى عن الناس كل ما كانوا فيه من الذل و ضيق المحابس فصرف اللّه عز و جل ذلك كله و ذهب به بأمير المؤمنين فأسأل اللّه أن يستجيب فى أمير المؤمنين صالح الدعاء و أن يتم ذلك لأمير المؤمنين أدام اللّه عزه و أن يزيد فى نيته و يعينه على ما هو عليه.
فقال أبى: و قد ذكر عن عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال: لا تضربوا كتاب اللّه عز و جل بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك فى قلوبكم[١].
و قد ذكر عن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنهما أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال بعضهم: أ لم يقل اللّه عز و جل كذا.
قال: فسمع ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فخرج كأنما فقئ فى وجهه حب الرمان فقال: «أ بهذا أمرتم أن تضربوا كتاب اللّه عز و جل بعضه ببعض إنما ضلت الأمم قبلكم فى مثل هذا إنكم لستم مما هاهنا فى شيء انظروا الّذي أمرتم به فاعملوا به و انظروا الّذي نهيتم عنه فانتهوا عنه»[٢].
و روى عن أبى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «مراء فى القرآن كفر»[٣]. و روى عن أبى جهم- رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه
[١] - أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف: ١٠/ ٥٢٨.
[٢] - سبق تخريجه انظر ص: ١٦٨.
[٣] - أخرجه أحمد: ٢/ ٢٨٦، ٣٠٠، ٤٢٤، ٤٧٥ و أبو داود: ٥/ ٩ و صححه الحاكم و أقره الذهبى.
المستدرك: ٢/ ٢٢٣. قال الخطابى: اختلف الناس فى تأويله فقال بعضهم: معنى المراء هنا الشك فيه، كقوله: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أى فى شك و يقال: بل المراد هو الجدال المشكك فيه. و تأوله بعضهم على المراء فى قراءته دون تأويله و معانيه، مثل أن يقول قائل: هذا قرآن قد أنزله اللّه تبارك و تعالى و يقول الآخر: لم ينزل اللّه هكذا فيكفر به من أنكره، و قد أنزل سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شاف كاف، فنهاهم صلى اللّه عليه و سلم عن إنكار القراءة التى يسمع بعضهم بعضا يقرؤها، و توعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه و التكذيب به، إذ كان القرآن منزلا على سبعة أحرف، و كلها قرآن منزل يجوز قراءته و يجب علينا الإيمان به. و قال بعضهم: إنما جاء هذا فى الجدال فى القرآن فى الآى التى فيها ذكر القدر و الوعيد، و ما كان فى معناهما على مذهب أهل الكلام- و الجدل و على معنى ما يجرى من الخوض بينهم فيها دون ما كان منها فى الأحكام و أبواب التحليل و التحريم و الحظر و الإباحة، فإن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد تنازعوها فيما بينهم و تحاجوا بها عند اختلافهم فى الأحكام و لم يتحرجوا عن التناظر بها و فيها، و قد قال سبحانه فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فعلم أن النهى منصرف إلى غير هذا الوجه، و اللّه أعلم.
معالم السنن مع سنن أبى داود: ٥/ ١٠.