المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٥٢ - التعليق
اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[١] و قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ[٢][٣]. اه.
و يحسن الآن أن نذكر ما تبقى من مراتب الإيمان بالقدر حيث ذكرت مرتبة العلم و الكتابة و أتكلم الآن عن: مرتبة المشيئة:
و هى المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر و مقتضاها الإيمان بأن للّه عز و جل المشيئة التامة و القدرة الشاملة ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن. قال جل شأنه إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤] و قال سبحانه و تعالى: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً[٥] و قال عز و جل: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[٦] و قال جل و علا: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ[٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ما ذكر.
و لكن هذا لا يعنى أن اللّه عز و جل يرضى عن ما يقع من العباد من الكفر و المعاصى.
يقول شارح الطحاوية: و منشأ الضلال من التسوية بين المشيئة و الإرادة و بين المحبة و الرضى، فسوى بينهما الجبرية و القدرية، ثم اختلفوا: فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه و قدره، فيكون محبوبا مرضيا. و قالت القدرية النفاة: ليست المعاصى محبوبة للّه و لا مرضية له، فليست مقدرة و لا مقضية فهى خارجة عن مشيئته و خلقه و قد دل على الفرق بين المشيئة و المحبة الكتاب و السنة و الفطرة الصحيحة[٨] ......
[١] - سورة الإنسان/ ٢٩، ٣٠.
[٢] - سورة المدثر/ ٥٤، ٥٥، ٥٦.
[٣] - مجموع الفتاوى ٨/ ١١٧- ١١٨.
[٤] - سورة يس/ ٨٢.
[٥] - سورة هود/ ١١٨.
[٦] - سورة يونس/ ٩٩.
[٧] - سورة السجدة/ ١٣.
[٨] - فى موضع آخر يقول:« أما أهل السنة فيقولون: إن اللّه و إن كان يريد المعاصى قدرا فهو لا يحبها و لا يرضاها و لا يأمر بها بل يبغضها و يسخطها و يكرهها و ينهى عنها». و هذا قول السلف قاطبة ... و المحققون من أهل السنة يقولون:« الإرادة فى كتاب اللّه نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية و إرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هى المتضمنة للمحبة و الرضى، و الكونية هى المشيئة الشاملة لجميع الموجودات». ا ه. شرح العقيدة الطحاوية ص: ١١٦. و انظر: أدلة القسمين ص: ١١٤، ٢٧٧- ٢٧٨، ٥٠٥- ٥٠٦.
و لمزيد من التفصيل حول نوعى الإرادة انظر: كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان لابن تيمية ص: ١٢١- ١٢٦، مجموع الفتاوى له: ٨/ ٤٤٠- ٤٤١.