المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١١٥ - التعليق
هذا بأن معنى الآية: قُولُوا أَسْلَمْنا انقدنا بظواهرنا، فهم منافقون فى الحقيقة، و هذا أحد قولى المفسرين فى هذه الآية الكريمة. و أجيب بالقول الآخر و رجح، و هو أنهم ليسوا بمؤمنين كاملى الإيمان لا أنهم منافقون كما نفى الإيمان عن القاتل، و الزانى، و السارق، و من لا أمانة له. يؤيد هذا سياق الآية، فإن السورة من أولها إلى هنا فى النهى عن المعاصى، و أحكام بعض العصاة، و نحو ذلك، و ليس فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: وَ إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً[١] و لو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة، ثم قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا[٢] الآية، يعنى- و اللّه أعلم- أن المؤمنين الكاملى الإيمان، هم هؤلاء، لا أنتم بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل، يؤيد هذا: أنه أمرهم، أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا، و المنافق لا يقال له ذلك، و لو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام، كما نفى عنهم الإيمان، و نهاهم أن يمنوا باسلامهم فأثبت لهم إسلاما و نهاهم أن يمنوا به على رسوله، و لو لم يكن إسلاما صحيحا لقال: لم تسلموا، بل أنتم كاذبون، كما كذبهم فى قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ[٣][٤]. اه.
و هناك رأى ثالث فى المسألة و هو القول بالتلازم بينهما مع افتراقهما فمتى قرن الإسلام و الإيمان كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة و المراد بالإيمان أعمال القلب- و هذا يدل عليه حديث جبريل عليه السلام عند ما سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: «يا محمد أخبرنى عن الإسلام فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه و تقيم الصلاة و تؤتى الزكاة و تصوم رمضان و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت. قال فعجبنا له يسأله و يصدقه. قال فأخبرنى عن الإيمان: قال أن تؤمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شره قال: صدقت ... الحديث[٥] و إن ذكر أحدهما شمل الآخر. و هو ما يدل عليه حديث وفد عبد القيس حيث فسر الإيمان
[١] - سورة الحجرات/ ١٤.
[٢] - الحجرات/ ١٥.
[٣] - سورة المنافقون/ ١.
[٤] - شرح العقيدة الطحاوية ص: ٣٩٢- ٣٩٣.
[٥] - رواه مسلم: ١/ ٣٦- ٣٧ و اللفظ له من حديث عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه. و رواه البخارى: ١/ ١١٤ و مسلم: ١/ ٣٩ من حدث أبى هريرة رضى اللّه عنه.