المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٩٣ - التعليق
هذه مقالات المخالفين فى هذه المسألة العظيمة سنتعرض لبعضها بالتحليل و النقد. فأقول و باللّه التوفيق:-
أما القول الأول: فهو أفسد الأقوال و أعظمها بهتانا و كفرا. قال عز و جل: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ[١].
و بطلان قول هؤلاء واضح لذا فلست بحاجة إلى التوسع فى نقضه.
و أصحاب القول الثانى: الجهمية و المعتزلة. أنكروا صفة الكلام و قالوا:
إن معنى كونه متكلما أى خالقا للكلام فى غيره[٢].
و قد بينت بطلان هذا الكلام و نقلت عن الإمام أحمد و غيره ما يدحضه[٣].
أما القول الثالث: فهو للكلابية و الأشاعرة- و بينهما فى هذه المسألة فرق فى أمرين سأبينهما إن شاء اللّه- إلا أنهم متفقون على: إنكار أن يكون للّه كلاما حقيقيا. بل يرون أنه معنى قائم بالذات لا يتعلق بالقدرة و المشيئة بل هو لازم للذات لزوم الحياة و العلم.
و يحتجون على هذا بما روى عن عمر فى خبر بيعة الصديق و فيه: فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر رضى اللّه عنهما فكان عمر يقول: و اللّه ما أردت بذاك إلا أنى قد هيأت كلاما أعجبنى. و فى رواية: كنت قد زورت مقالة أعجبتنى. فسمى تزوير الكلام فى نفسه كلاما قبل التلفظ به[٤].
كما تمسكوا بقول الشاعر- النصرانى- الأخطل فى البيت المنسوب إليه:
|
إن الكلام لفى الفؤاد و إنما |
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
|
يقول ابن تيمية: الكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم،
[١] - سورة الشورى/ ٥١.
[٢] - انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ص: ٥٢٨.
[٣] - انظر: ص: ١٨٣، ٢٩٠.
[٤] - انظر: الأسماء و الصفات للبيهقى ص: ٢٧٢، و الإرشاد إلى قواطع الأدلة فى أصول الاعتقاد للجوينى ص: ١٠٤.