المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٣٠ - التعليق
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة و غيره، ممن ضربه و حبسه، و استغفر لهم و حللهم مما فعلوه به من الظلم و الدعاء إلى القول الّذي هو كفر، و لو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب و السنة و الإجماع، و هذه الأقوال و الأعمال منه و من غيره من الأئمة صريحة فى أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، و إن اللّه لا يرى فى الآخرة، و قد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين، فأما أن يذكر عنه فى المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال: من كفر بعينه، فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، و انتفت موانعه و من لم يكفره بعينه، فلانتفاء ذلك فى حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.
و الدليل على هذا الأصل: الكتاب، و السنة، و الإجماع، و الاعتبار. ثم استدل رحمه اللّه لكل ذلك، ثم قال: فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:
أحدهما: أن العلم و الإيمان و الهدى فيما جاء به الرسول، و أن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفى الصفات كفر، و التكذيب بأن اللّه يرى فى الآخرة، أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر، و كذلك ما كان فى معنى ذلك، و هذا معنى كلام أئمة السنة و أهل الحديث.
و الأصل الثانى: أن التكفير العام- كالوعيد العام- يجب القول بإطلاقه و عمومه.
و أما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه و انتفاء موانعه.
و مما ينبغى أن يعلم فى هذا الموضع أن الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على شخص فى الدنيا، إما بقتل أو جلد أو غير ذلك، و يكون فى الآخرة غير معذب، مثل قتال البغاة و المتأولين مع بقائهم على العدالة، و مثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة فإنا نقيم الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبي صلى