تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٧ - الاسترقاق في القرون الأولى
وكان الاسترقاق عند الذين هم من الإغريقيين اليونان أمراً شائعاً والفلاسفة الكثيرون الذين تفتخر بهم هذه البلاد لم ينكروه ولم يعدّوه مخالفاً للعدالة والآداب ومكارم الأخلاق، بل أن أرسطو أيد صحته
وأثبت مشروعيته[١] معتمداً في رأيه على اختلاف السلالات البشرية وتنوع أصناف بني آدم. وقد عرّف الرقيق بأنه آلة ذات روح أو متاع قائمة به الحياة. ثم قسم الجنس البشري إلى قسمين الأحرار، والأرقاء بالطبع. والرقيق عند اليونان صنفان، رقيق البيع والشراء، وللمولى عليه السيادة المطلقة، والصنف الثاني أهل البلاد التي فتحها اليونان.
وكان للنخاسة سوق عظيم في أثينا، ويكثر اليونان من اقتناء العبيد لا للخدمة فقط بل لتشغيلهم وأخذ أجورهم ويكتفون بمعاقبة المذنب من أرقائهم بالكي بالنار على جباههم، وإجبارهم على إدارة الطواحين بدل البهائم، وبالجلد بالسوط على أن حياة الرقيق وشخصه كانا في كنف القانون ورعايته، فما كان يجوز إعدامه إلا بعد صدور الحكم القانوني عليه[٢].
[١] يروي عن( أرسطوطاليس) أنه قال: إن الطبيعة قد خلقت شعوباً للسيادة- يقصد الشعوب الإغريقية- وأخرى للرق- يقصد بها شعوب آسيا- وقد ميزت هذين الصنفين صفات نفسية، فمنحت الصنف الأول العقل والإدارة، ولم تمنح الصنف الثاني إلا الجسم والعاطفة. وما الحرب إلا وسيلة أرشدت إليها طبيعة العالم المتمدن- الإغريقي- ليتمكن بوساطتها من استرقاق الشعوب المتبربرة وردها إلى الحالة التي خلفتها، فالحرب نظام بررته كل قوانين الطبيعة وقواعد الخلق الصحيح.
[٢] يحدثنا التاريخ إن اليونان قد بالغوا في احتقار العبيد واستخدامهم في سائر الشؤون والمجالات، وكان الأسبرطيون بالخصوص يؤجّرون العبيد لمن يرغب في ذلك ويكلفونهم بالحروب والقتال وغير ذلك من أنواع الأعمال الشاقة وكانت مصادر الاسترقاق عندهم خمسة أمور أحدها الحروب. فأسرى الحروب وأهل البلاد المغلوبة عبيد لهم، ولهم أن يبيعونه مع الأرض التي يعملون فيها. ثانيها القرصنة فقد كان اليونان يختطفون المسافرين وسكان الشواطئ الأفريقية والأوربية ويبيعونه علناً. وثالثها هو الدين فإن المديون إذا عجز عن أداء دينه وبلغت فائدة الدين قدر أصله حكم للدائن باسترقاقه. وقد سرى هذا المصدر للاسترقاق للرومان وبعض بلاد أوربا في القرون الوسطى. ورابعها الإجرام والثورة على الدولة كان بهما تسترق الدولة لنفسها المجرم والثائر. خامسها الإلحاد فإن به يسترق الملحد للمعابد. واليونان وإن كانوا في بعض الأحيان يحررون عبيدهم إلا أن المنقول عنهم أنها حرية اسمية حيث لا ترتفع سيطرة أسيادهم عنهم.