تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٣٤٦ - سورة مريم
أن لا يمطر السماء على قريتهم حتى يسأله ذلك فاخرجوا أيها المؤمنون من هذه القرية الى غيرها من القرى، فخرجوا منها و عدّتهم يومئذ عشرون رجلا، فتفرقوا في القرى و شاع خبر إدريس في القرى بما سأل ربه، و تنحى إدريس الى كهف من الجبل شاهق[١] فلجأ اليه و وكل الله عز و جل به ملكا يأتيه بطعامه عند كل مساء و كان يصوم النهار فيأتيه الملك بطعامه عند كل مساء، و سلب الله عز و جل عند ذلك ملك الجبار و قتله و أخرب مدينته و أطعم الكلاب لحم امرأته غضبا للمؤمن، فظهر في المدينة جبار آخر عاص، فمكثوا بذلك بعد خروج إدريس من القرية عشرين سنة لم تمطر السماء عليهم قطرة من مائها فجهد القوم و اشتدت حالهم و صاروا يمتارون الاطعمة[٢] من القرى من بعد، فلما جهدوا مشى بعضهم الى بعض، فقالوا: ان الذي نزل بنا مما ترون لسؤال إدريس ربه أن لا يمطر السماء علينا حتى يسأله هو، و قد تنحى إدريس عنا و لا علم لنا بموضعه و الله أرحم بنا منه، فأجمع أمرهم على ان يتوبوا الى الله و يدعوه و يفزعوا اليه و يسألوه أن يمطر السماء عليهم و على ما حوت قريتهم، فقاموا على الرماد و لبسوا المسوح و حثوا على رؤسهم التراب[٣] و عجوا الى الله بالتوبة و الاستغفار و البكاء و التضرع اليه.
فأوحى الله عز و جل الى إدريس: يا إدريس ان أهل قريتك قد عجوا الى بالتوبة و الاستغفار و البكاء و التضرع، و انا الله الرحمن الرحيم اقبل التوبة و أعفو عن السيئة و قد رحمتهم و لم يمنعني من اجابتهم الى ما سألونى من المطر الا مناظرتك فيما سألتنى أن لا أمطر السماء عليهم حتى تسألنى، فاسألنى يا إدريس حتى أغيثهم و أمطر السماء عليهم. قال إدريس: اللهم انى لا أسئلك ذلك. قال الله عز و جل: ألم تسألنى يا إدريس
[١] الشاهق: المرتفع من الجبال.