صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٧ - المطلب السابع في إبطال وحدته تعالى مع مخلوقه
كالعلية و المعلولية و المحركية و المتحركية و الايجاب و السلب، فهو على تقدير تماميته أجنبي عن المقام، إذ التنافي بين السلب و الإيجاب إنّما يتحقق إذا تواردا على مورد واحد بشروط مقررة، و إلا فلا منافاة بينهما، كوجود الحركة و عدم السكون، أو وجود الاستقبال و عدم الاستدبار، و هكذا، و المقام كذلك، فإنّ عدم الأشياء و سلبها عنه لا ينافي وجوده تعالى فتدبر جيداً.
ثم إنّ لصاحب الأسفار وجهاً آخر على إثبات هذه القاعدة، و هو: أنّ معطي الكمال لا يكون فاقداً له. قال في فنّ ربوبيات أسفاره: و هو كل الأشياء على وجه أبسط؛ و كذلك لأنّه فاعل كل وجود مقيد و كماله، و مبدأ كل فضيلة أولى بتلك الفضيلة من ذي المبدأ، فمبدأ كل الأشياء و فيّاضها يجب أن يكون هو كل الأشياء على وجه أرفع و أعلى ... إلى آخره.
أقول: فيه أولًا أنّ الوجود الإمكاني إنّما هو كمال للممكن دون الواجب، كما عرفت وجهه آنفا، و لا شك أنّ الواجب بصفته كامل مطلق، فاقد للنقص و الحاجة.
و ثانياً: أنّ العلل الموجبة هي التي لا تخلو عن معاليلها بنحو مندمج، و أمّا من ليست فاعليته بنحو الشرح، بل الاختيار و الإبداع لا من شيء، فلا يجري فيه هذا الكلام. نعم، لا شك أنّ معطي كل شيء لا يكون عاجزاً عن إعطائه انه ينتقض بنفي التركب، فإن مخلوقاته و معاليله أو معظّمها مركبة، و معطى الشيء لا يكون فاقده. فهو في بساطة حقيقته مركب بوجه أعلى و أرفع!!.
فتحصل: أنّ ما تفوه به من كون بسيط الحقيقة كل الأشياء باطل ضعيف لا أساس له أصلًا، و منه انهدمت الكثرة في الوحدة؛ لأنّها نفس هذه القاعدة الزائفة.
و أمّا الوحدة في الكثرة فملخّصها: أنّ كل موجود ممكن له أمور: ١- ماهية. ٢- وجود. إضافة وجوده إلى ماهيته. و الأول و الثالث اعتباريان، و الثاني هو الوجود المنبسط.
قال في الأسفار[١]: فالحقائق موجودة متعدد في الخارج، لكنّ منشأ وجودها و ملاك تحققها أمر واحد و هو حقيقة الوجود المنبسط بنفس ذاته لا بجعل جاعل، و منشأ تعددها تعينات اعتبارية.
أقول: إن فرض الوجود المنبسط واحداً شخصياً لبطل هذا التكثر المحسوس الواقع في الوجودات، و لا يمكن تستّره بالكلمات الفارغة عن المعنى أبداً. و إن لم يكن بواحد شخصي فقد بطل الوحدة في الكثرة. و على أي تقدير هذا الوجود فعله تعالى، و لا بد من الحكم بإمكانه، بل بحدوثه كما مرّ برهانه، و التفوه بأنّه أثر الواجب و شأنه و أثر لشيء لا نفسه و لا غيره مما يبطله
[١] - ٢/ ٣٢١.