صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٠ - تمهيد
تحصيلهما استلزاماً عقلياً وجدانياً قرآنياً، فإنّ الله تعالى يمدح طالب الكمال و يذمّ الراجع إلى النقصان، فالتفكيك بينهما من التفكيك بين العلّة و المعلول.
و أمّا المعنى الثاني فهو من الأحكام العقلية بمراحل، فإنّه من الأمور الطبعية و الميول الغريزية؛ و لذا يختلف الحال باختلاف الطبائع و الأغراض، كما اعترفوا به، و من العجيب أنّهم ينكرون الحكم العقلي ثم ينسبون إليه ما ليس منه، و إن هو إلّا الغيّ الفضيح.
و أمّا الثالث فقد عرفت أنّه في الجلاء و الظهور نظير قولنا: الكل أعظم من الجزء، فإنكاره سفسطة لا يعتنى به، و كيف يمكن التسوية بين العدل و الجور، و الجود و البخل، و الصدق النافع و الكذب الضارّ، و الإحسان و الإساءة؟ و كيف ينكر استحقاق المدح و الذمّ فيها؟ فهذا التثليث الأشعري لا ينفع شيئاً للفرار عن تلك الفضاحة و الشناعة، و هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟!
و أمّا الوجه الأول من الاستدلال فلك أن تستدل على بطلان الكبرى ببطلان الصغرى، و لك أن تستدل على فساد الصغرى بفساد الكبرى، أو تترك الاستدلال و تحكم ببطلان كلتيهما معاً بلا بيان، فإنّ المقدمتين كل منهما ضروري البطلان بديهي الفساد.
و أمّا الوجه الثاني فيزيّفه ما سيأتي من أنّ الحسن و القبح ليسا بذاتيين، بل هما بالوجوه و الاعتبار، على أنّهما لو كانا ذاتيين لم يكن فيه إشكال أيضاً، فلا حظ المطوّلات.
ثم إنّ إنكار الحسن و القبح العقليين- مع كونه مخالفاً للضرورة- يستلزم أموراً شنيعة:
١- عدم إمكان إثبات صدقه تعالى، كما مرّ في محله، فتسقط الشريعة و النواميس الدينية من رأس!
٢- عدم إمكان إثبات نبوة الأنبياء، كما مرّ أيضاً، و إنّ إجزاء المعجزة على يد الكاذب إذا لم يكن في نفسه قبيحاً لكان ممكن الصدور من الله تعالى، و معه لا دلالة للمعجزة على صدق صاحبها. و أما الاعتذار بجريان عادة الله تعالى الجاري مجرى المحال العادي على عدم مثل هذا الصدور، فمن أرذل الكلام و أسخف المقال.
فإنّا نقول: من أخبركم بجريان هذه العادة؟ هل القرآن بقوله: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[١] فهو نفسه محتمل الكذب حينئذ، أو الإجماع، فحاله حال الآية كما مضى، أو سوّلت لكم أنفسكم؟ و لأجله حكي عن بعض الحنفية أنّهم قالوا بهما (أي بالحسن و القبح الشرعيين) في أفعال العباد فقط! لئلّا يتوقف وجوب تصديق النبي على الشرع فيدور.
٣- مخالفة القرآن المجيد، إذ فيه آيات بيّنات تدل على الحكم العقلي المذكور، فمنها
[١] - فاطر ٣٥/ ٤٣.