صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٩ - تمهيد
يدفع الضرر المحتمل؟ كلّا!
فإذا كان حديث التحسين و التقبيح العقليين بهذه المثابة من الجلاء و الظهور فمن اللغو أن نستدل على إثباتهما بشيء و العيان يغني عن البيان: «آفتاب آمد دليل آفتاب»[١].
ثم إنّ بعض المنكرين لمّا رأوا سخافة إنكارهم و شناعة كلامهم اخترعوا شيئاً و زعموا إمكان التستّر به، فجاؤوا بالتقسيم الثلاثي، و قالوا: إنّ للحسن و القبح معانٍ ثلاثة[٢]:
الأول: صفة الكمال و النقص، فالحسن كون الصفة صفة كمال، و القبيح كون الصفة صفة نقصان، يقال: العلم حسن، أي لمن اتصف به كمال و ارتفاع شأن، و الجهل قبيح، أي لمن اتصف به نقصان و اتضاع حال، و لا نزاع في أنّ هذا المعنى أمر ثابت للصفات في أنفسها، و أنّ مدركها العقل و لا تعلق له بالشرع.
الثاني: ملائمة الغرض و منافرته. فما وافق الغرض حسن، و ما نافره قبيح، و قد يعبّر عن الحسن و القبح بهذا المعنى بالمصلحة و المفسدة، فيقال: الحسن ما فيه المصلحة، القبح ما فيه المفسدة، و ما خلا عنهما لا يكون شيئاً منهما، و ذلك أيضاً عقلي، و يختلف بالاعتبار، فإنّ قتل زيد مصلحة لأعدائه و موافق لغرضهم، و مفسدة لأوليائه و مخالف لغرضهم.
الثالث: تعلق المدح و الثواب بالفعل عاجلًا و آجلًا، أو الذم و العقاب كذلك. فما يتعلق به المدح فهو حسن، و ما يتعلق به الذمّ قبيح. قالوا: و هذا الثالث هو محلّ النزاع، فهو عندنا شرعي، فإنّ الأفعال كلها سواسية ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله و ثوابه، و لا ذمّ فاعله و عقابه، و إنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها و نهيه عنها.
و استدلوا عليه بوجهين:
الأول أنّ العبد مجبور في أفعاله، و الفعل الجبري لا يتصف بالحسن و القبح اتفاقاً.
الثاني: لو كان قبح الكذب ذاتياً لما تخلّف، و اللازم باطل، فإنّه قد يحسن إذا كان فيه عصمة دم مؤمن، بل يجب.
أقول: أمّا القسم الأول فهو و إن كان صحيحاً لكن نقول: هل تحصيل الكمال ممدوح عقلًا- و لو مع الغضّ عن الشرع- أم لا؟ و هل إبقاء النفس على النقيصة مذموم أم لا؟ فإن قالوا بالأول فقد بطل مذهبهم، و إن تلفّظوا بالثاني فقد كابروا وجدانهم، فكون الصفة كمالًا و حسنة أو نقصاناً و قبيحة لا ينفعهم شيئاً في محلّ النزاع، بل هو يستلزم المدح و الذمّ على الفعل، أي على
[١] - نعني أنّ شروق الشمس دليل على وجودها.
[٢] - لا حظ شرح المواقف ٣/ ١٤٦ و كلام الفضل إحقاق الحقّ ١/ ٣٤١، و في هداية المسترشدين و الفصول جعلا الأقسام ستّة، فلاحظ.