صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٦ - الفائدة الاولى في تعريف الرزق
لا يوجد من لا يتمكن من الرزق الحلال طيلة حياته، فتدبّر.
و أمّا الدليل على صحة قول العدلية فهو: أنّ الرزق من الحرام قبيح، و لا القبيح لا يصدر عن الحكيم، و أن الله مدح من أنفق من رزقه بقوله: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ[١]. و من المعلوم أنّه على الإنفاق من الحرام، بل هو محرّم مذموم، كما قال تعالى: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ[٢]. فيعلم أنّ الحرام ليس برزق.
أقول: هذا محصول بعض كلماتهم في المقام، و هنا وجوه أخرى استدلّ بها كلّ على صحة قوله.
و الحقّ الحريّ بالقبول أن يقال: إن كون الحرام رزقاً إمّا بمعنى تمكين الله تعالى الحي من التصرّف فيه و عدم منعه عنه تكويناً، و إمّا بمعنى تقديره و كتابة حدود التصرّف الحرام في اللوح المحفوظ، و إمّا بمعنى تحليله تشريعاً.
و إمّا بمعنى أنّه المؤثّر في تصرّف المنتفع بالحرام.
و إمّا بمعنى أنّه تعالى قدّر رزقه من الحرام و لم يجعل له سبيلًا إلى الحلال أصلًا، و لا احتمال سادس هنا.
فنقول للأشعرية: إن أردتم الوجه الأول فلا شكّ لأحد في صحته، بل هو محسوس.
و إن أردتم الوجه الثاني فهو أيضاً قطعيّ على ما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و إن أردتم الوجه الثالث فبطلانه قطعي، بل حسّي، كما سبق تفصيله في هذا الجزء.
و إن أردتم الوجه الرابع فهو مخالف للضرورة الدينية، فإنّ الله حرّم التصرف في المال الحرام، و لا يحتمل أن يتفوّه به مسلم.
و إن أردتم الوجه الخامس فهو أيضاً قطعيّ الفساد، فإنّه مع قبح هذا التقدير يستلزم حلّية المحرّم المذكور و سقوط المنع الشرعي عنه، ضرورة جواز أكل المحرّمات للمضطرّ شرعاً و عقلًا، و هذا خلف.
و على الجملة: الرزق رزقان: رزق تكويني، و هو كلّ ما يستمدّ به الحيوان أو غيره في بقائه و حفظ كيانه، سواء كان محلّلًا أم محرماً. و رزق تشريعي، و هو ما ينتفع به و لا يكون محرّماً و ممنوعاً شرعاً.
[١] - البقرة ٢/ ٣.
[٢] - البقرة ٢/ ٢٦٧.