صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٧ - هل الإمامة شرط في صحة الأعمال، أو لا؟
- صلّى الله على خاتمهم و آله و عليهم- بلغوا ما أنزل إليهم حسب الأسباب العادية و السيرة المعمولة، و لذا لم يصل إلى من كانوا بعيدين عنهم في المسافة من أهل عصرهم فضلًا عمّن أتوا بعدهم بأزمنة، و لم يكن نبيّ من الأنبياء قد جال في الأرض برحبها و بلغ شريعته إلى جميع سكانها. و هذا خاتمهم- نبينا الأعظم (ص)- قد أتى بدين جامع عامّ للإنس و الجنّ إلى يوم القيامة، و مع ذلك لم يتعدّ في إيصاله إلى الناس من الحدود المتعارفة، و لم يستفد فيه من الأسباب فوق العادة ليوصل نداءه إلى جميع الموجودين في زمانه، بل قضى نحبه الشريف، و في الأرض من لم يسمع بشريعته و دينه، و كذا الحال في أوصيائه الكرام (عليهم السلام).
و على الجملة: لا ريب في وجود إناس كثيرين جاهلين بالديانة جهلًا عن قصور في كل دورة و كورة، جهلًا بالمعارف و الأصول الاعتقادية، فضلًا عن الأحكام الفرعية، فلو كان بيان الأحكام واجباً على الله تعالى لوجب عليه إيصالها إلى جميع العباد الواجدين لشرائط التكليف؛ لئلّا يلزم الإخلال بالواجب، و حيث إنّ الأمر ليس كذلك كما نعلم خارجاً فنفهم أنّ التكليف ليس عليه بواجب.
و أيضاً أنّ العارف باستنباط الأحكام الفرعية في زمان الغيبة يدري أنّ ما يحصله الفقهاء المجتهدون بجهدهم ليس إلا الأحكام الظاهرية التي ربّما وافق الواقع و ربّما تخالفه، فتقع أفعالهم و أفعال مقلّديهم باطلة غير متضمنة للمصالح الواقعية، و إن كانت هي في ظاهر الشرع محكومة بالصحة، و يثابون عليها لأجل الانقياد، فلو كان التكليف عليه تعالى واجباً لأوصل الأحكام الواقعية إلى الناس ليستكملوا بالمصالح الواقعية.
و في صحيحة هشام[١]، عن الصادق (ع) أنّه سئل عمّن مات في الفترة و عمّن لم يدرك الحنث و المعتوه؟ فقال: «يحتجّ الله عليهم، يرفع لهم ناراً فيقول لهم: ادخلوها ...» إلى آخره.
و في صحيح أخرى له عنه (ع): «ثلاثة يحتجّ عليهم: الأبكم، و الطفل، و من مات في الفترة، فيرتفع لهم نار فيقال لهم: ادخلوها ...» إلى آخره.
و في رواية زرارة[٢]، عن الباقر (ع) قال: «إذا كان يوم القيامة احتجّ الله عزّ و جلّ على خمسة: على الطفل، و الذي مات بين النبيين، و الذي أدرك النبي و هو لا يعقل، و الأبله، و المجنون الذي لا يعقل، و الأصمّ و الأبكم، فكل واحد منهم يحتجّ على الله عز و جلّ، قال: فيبعث الله إليهم رسولًا، فيؤجّج لهم ناراً، فيقول لهم: ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه برداً و سلاماً، و من عصى سيق إلى النار».
[١] - بحار الأنوار ٥/ ٢٩٢.
[٢] - المصدر السابق ٥/ ٢٨٩.