صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٣ - هل الإمامة شرط في صحة الأعمال، أو لا؟
على نظام البدن، و المنافاة بينهما ظاهرة، و لا يمكن رفعها إلا بالأمر والنهي الشرعيين ضبظاً للقوة الشهوية عن الإفراط و التفريط، و هذا الضبط لا يتيسّر للعقول وحدها، فلو لم يكلف الشارع لأضرّت الشهوية بالعاقلة، و منعت المكلف من بلوغه إلى كماله الحقيقي الذي هو الغرض من وجوده، و نقض الغرض قبيح، فكان التكليف واجباً على الله تعالى، فضلًا عن حسنه.
الرابع: ما هو الصحيح عندي، و هو: أنّ من المحسوس احتياج الإنسان في مسير حياته و نظام معاشه إلى أبناء نوعه، و ليس هو مثل سائر الحيوانات في عدم الافتقار إلى أمثاله، فالتعاضد و التعامل ممّا لا بد منه في استقامة عيشه، و هذا معنى كون الإنسان مدنياً بالطبع، فإنّ التمدّن عبارة عن الاجتماع المتسلسل المرتبط في شؤون الحياة. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى: أنّه مجمع للقوى المختلفة كالعاقلة، و الشهوية، و الغضبية، و الوهمية، كما فصّل في علم الأخلاق. و إن شئت فقل إنّه واجد للقوى الروحية و المادّية، و مبتلى بالتمايلات المتنوعة العريضة و الطويلة.
و هذه القوى متصادمة بينها في الحقل الانفرادي، فضلًا عمّا إذا واجهت الآخرين في الميادين الاجتماعية بآرائهم المتشتّتة المتضادة التي شأن كل منها جرّ النار إلى قرصها، و مع هذه الحالة لا يمكن تمشّي التعاون المجري للنظام المدني على حد العدل و الإنصاف، ضرورة عجز العقل عن تعديل المشتهيات و تحديد القوى، فيلتمس ذلك وضع قانون ناظر إلى جهتين:
إحداهما: تحديد القوى النفسية في من الإفراط و التفريط، أو تحديد آثارها من الوصفين المذكورين على الأقل. و نعتبر عنه بالعدالة الأخلاقية.
ثانيتهما: تعديل نظام المعاملات و الارتباطات و العلاقات و تأسيسها على بناء عادل عام.
و يدخل في الأول: المعارف و الأخلاقيات والعبادات، على أن حسن الأوليتين ظاهر في نفسهما أيضاً، فإنّ التحلّي بهما كمال للنفس عند العقل.
و يدخل في الثاني المعاملات، فيكون التكليف الشرعي حسناً جداً، و لعلّ هذا التقرير هو مراد الحكماء في إثبات هذا الحكم، كما حكي عنهم في الكتب الكلامية. و إليه ينظر كلام اللاهيجي المتقدّم.
ثم إن هذا الحكم لا يتوقف على عدم إمكان تشريع الناس أنفسهم مثل هذه التكاليف الشرعية، ضرورة عدم توقف حسن الحسن على انحصار نوعه في فرده، نعم، يتوقف عليه وجوب التكليف المذكور على الشارع، فإنّه إذا أمكن للناس جعل مثل هذا القانون فلا يحكم العقل بوجوبه على الله تعالى، و لذا نحتاج لإثبات وجوبه عليه تعالى إلى بيان آخر.
فإن قلت: إذا كان التكليف لأجل تكميل الإنسان في حياته الانفرادية و نظامه الاجتماعي